حين انتصر الاستقرار: قراءة في المواجهة الأخيرة بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة في مقديشو
خلال السنوات الأخيرة، بدت مدينة مقديشو وكأنها تسير بخطى متدرجة نحو مرحلة جديدة من الاستقرار الأمني والتحسن المعيشي النسبي، حيث شهدت العاصمة تحسنًا ملحوظًا في الأوضاع الأمنية واتساعًا في النشاط الاقتصادي مقارنة بالمراحل السابقة.
وقد انعكس هذا التحسن على الحياة اليومية للمواطنين الذين تمكنوا من التمتع بقدر أكبر من الطمأنينة والاستقرار، في ظل ما أفرزته التجربة السياسية الصومالية خلال العقود الماضية من قناعة بأن المراحل التي تسبق انتهاء الولايات الدستورية للمؤسسات المنتخبة غالبًا ما تشهد تصاعدًا في حدة التنافس السياسي والخلافات بين القوى المختلفة، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات أمنية تؤثر في استقرار البلاد.
ومع ذلك، لم يكن هذا الاستقرار بمعزل عن التحديات الاقتصادية والمعيشية التي ما زالت تثقل كاهل المواطنين، حيث شهدت البلاد خلال الفترة الأخيرة ارتفاعًا في تكاليف المعيشة وتراجعًا في القدرة الشرائية، إلى جانب اضطرابات مرتبطة بتراجع تداول العملة الصومالية وانعكاس ذلك على الأسواق ومستويات الأسعار.
وهو ما جعل المكاسب الأمنية لا تنعكس بالقدر المأمول على الأوضاع المعيشية لشريحة واسعة من المجتمع، رغم ما تحقق من تحسن نسبي في جوانب الأمن والاستقرار، مع بقاء الأمل معقودًا على أن يسهم هذا التحسن في المستقبل القريب في تحسين مستوى المعيشة وتحقيق قدر أكبر من الرفاه الاقتصادي.
وفي خضم حالة الترقب والتوجس التي سادت الشارع الصومالي، والجدل السياسي المحتدم بين الحكومة والمعارضة، شهدت العاصمة مقديشو تطورات ميدانية خطيرة تمثلت في مواجهات بين القوات الحكومية ومجموعات مرتبطة بأطراف من المعارضة السياسية. وقد أثارت هذه الأحداث مخاوف واسعة لدى المواطنين، نظرًا لطبيعة المواجهات وسرعة تطورها وحجم الحشود المشاركة فيها ونوعية الأسلحة المستخدمة، الأمر الذي دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن الأزمة تجاوزت حدود الخلاف السياسي التقليدي، وأنها تنذر بإمكانية الانزلاق نحو صراع أوسع قد يهدد ما تحقق من استقرار خلال السنوات الأخيرة.
وقد تعززت هذه المخاوف لدى بعض الأوساط الشعبية نتيجة ما شهدته دول أخرى من أزمات سياسية تحولت إلى صراعات مسلحة طويلة الأمد، ما جعل شريحة واسعة من المواطنين تنظر بقلق إلى أي مؤشرات قد تقود إلى تكرار مثل هذه السيناريوهات في الصومال.
وفي هذا السياق، أكد مسؤولون حكوميون أن ما جرى لم يكن مجرد خلاف سياسي عابر، بل محاولة لفرض واقع جديد بالقوة، فيما وصف وزير الدفاع الصومالي الأحداث بأنها محاولة فاشلة لزعزعة الأمن والاستقرار، مشددًا على أن الدولة تمكنت من التعامل مع الأزمة خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، مستفيدة من مزيج من الأدوات السياسية والأمنية والعسكرية، وهو ما حال دون توسع دائرة المواجهات أو تحولها إلى تهديد مباشر لأمن العاصمة واستقرارها.
وقد رحّب كثير من مواطني مقديشو بسرعة احتواء الموقف، لما لذلك من دور في تجنيب العاصمة أزمة جديدة كان من شأنها أن تقوض المكاسب الأمنية والسياسية التي تحققت خلال السنوات الماضية؛ إذ إن ما شهدته مقديشو لم يكن مجرد مواجهة سياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة والمجتمع على حماية الاستقرار في مواجهة لحظة سياسية شديدة الحساسية.
إن الشعب الصومالي عمومًا، ولا سيما سكان مقديشو، يرى ضرورة قبول التمديد الدستوري لمدة سنة واحدة للحكومة والبرلمان الحاليين من جانب المعارضة، كما يؤكد على أهمية دخول المعارضة في حوار مباشر مع الحكومة الفيدرالية حول القضايا المتعلقة بانتخابات «صوت واحد لكل مواطن»، ولجان الانتخابات، والقوانين والإجراءات المنظمة للعملية الانتخابية، إضافة إلى توقيت وأماكن وآليات التنفيذ المنصوص عليها دستوريًا، وذلك باعتبار أن هذه الخطوات قد تسهم في تهيئة مناخ سياسي أكثر استقرارًا، وتسهيل الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، وتسريع حل الخلافات القائمة بطرق سلمية بما يضمن عدم زعزعة أمن العاصمة واستقرارها.
غير أنه، ورغم غياب موقف موحد داخل صفوف المعارضة وتعدد الآراء بشأن شكل النظام الانتخابي، فإنه يُتوقع في نهاية المطاف أن تتجه الأطراف المعارضة إلى توحيد رؤيتها حول هذه الملفات، والدخول في نقاشات فنية ومفاوضات مع الحكومة الفيدرالية بشأن نظام «صوت واحد لكل مواطن»، وهو ما يراه جزء كبير من الشعب الصومالي إنجازًا مهمًا وتقدمًا ملحوظًا في مسار بناء الدولة الصومالية.
في ضوء ما سبق، يتضح أن المشهد السياسي في الصومال، ولا سيما في العاصمة مقديشو، يمر بمرحلة دقيقة تتقاطع فيها تحديات الاستقرار مع تعقيدات التنافس السياسي، ومع ذلك فإن المؤشرات العامة تعكس رغبة متزايدة لدى مختلف الأطراف في تجنب الانزلاق نحو المواجهة وتغليب لغة الحوار والتفاهم كخيار لا بديل عنه، وبين تطلع الحكومة إلى استكمال مسارها الإصلاحي ومطالبة المعارضة بضمانات أوسع للتوافق يبقى مستقبل المرحلة مرهونًا بقدرة الجميع على الوصول إلى أرضية مشتركة تحفظ الاستقرار وتدعم بناء الدولة، وفي المحصلة يظل انتصار الاستقرار هو الخيار الذي يتطلع إليه المواطن الصومالي باعتباره الضامن الحقيقي للأمن والتنمية واستمرار مسار الدولة نحو الاستقرار المؤسسي.
بقلم: علي أحمد محمد المقدشي

