يوافق الثالث من يوليو ذكرى ميلاد رئيس إقليم الصومال الإثيوبي، مصطفى محمد عمر، الذي أصبح اسمه مقترنًا بأبرز مرحلة تحول سياسي شهدها الإقليم خلال العقود الأخيرة. فمنذ توليه رئاسة الإقليم في أغسطس/آب 2018، عقب انهيار نظام الرئيس السابق عبدي محمود عمر (عبدي إيلّي)، دخل الإقليم مرحلة جديدة اتسمت بالإصلاحات السياسية والانفتاح الأمني والإداري، بعد سنوات طويلة من الأزمات والانتهاكات.
وبعد نحو ثمانية أعوام على ذلك التحول، ينظر كثيرون إلى تجربة مصطفى محمد عمر باعتبارها واحدة من أبرز محطات التغيير في تاريخ الإقليم، في حين يرى آخرون أن مسيرة الإصلاح لا تزال تواجه تحديات سياسية واقتصادية تتطلب مزيدًا من العمل.
من العمل الإنساني إلى قيادة الإقليم
وُلد مصطفى محمد عمر في 3 يوليو/تموز 1973 بمدينة أواري التابعة لإقليم جرر. تلقى تعليمه الأساسي في مسقط رأسه، وأكمل المرحلة الثانوية في مدينة دقح بور، قبل أن يحصل على درجة البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة أديس أبابا، ثم نال درجة الماجستير في الاقتصاد من كلية إمبريال بلندن.
بدأ مسيرته المهنية في قطاع التعليم، حيث شغل منصب مدير معهد تدريب المعلمين في جيغجيغا، ثم عمل نائبًا لوزير التعليم في الإقليم. وبعد ذلك انتقل للعمل مع عدد من المنظمات الدولية، من بينها برنامج الأغذية العالمي (WFP)، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، ومنظمة “أنقذوا الأطفال”، كما تولى مسؤوليات أممية في تنسيق العمليات الإنسانية داخل الصومال.
وخلال تلك المرحلة، عُرف بمواقفه المنتقدة للانتهاكات التي شهدها الإقليم في ظل الإدارة السابقة، وهو ما أدى إلى تعرضه لتهديدات أمنية دفعته إلى مغادرة المنطقة لفترة.
2018.. بداية مرحلة سياسية جديدة
جاءت التحولات الكبرى مع الإصلاحات التي قادها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد عام 2018، حيث عقدت سلسلة من المشاورات بين الحكومة الفيدرالية وممثلي المجتمع في إقليم الصومال، انتهت إلى توافق على تكليف مصطفى محمد عمر بقيادة المرحلة الانتقالية.
وفي 22 أغسطس/آب 2018، تم اختياره رئيسًا مؤقتًا للإقليم، قبل أن يصادق برلمان الإقليم بعد أيام على تعيينه رئيسًا رسميًا، في خطوة لاقت ترحيبًا واسعًا داخل الإقليم وخارجه، باعتبارها بداية لإنهاء مرحلة اتسمت بالاحتقان الأمني والسياسي.
قرارات مبكرة غيّرت المشهد
منذ الساعات الأولى لتوليه المنصب، أعلن مصطفى محمد عمر سلسلة من القرارات التي اعتُبرت تحولًا في طبيعة إدارة الإقليم، شملت إصدار عفو عام، وتوسيع هامش الحريات العامة، والتأكيد على حماية حرية التعبير والإعلام، إلى جانب إعادة الاسم الرسمي للإقليم ليصبح “إقليم الصومال”، واعتماد العلم الرسمي ذي النجمة الخماسية بدلًا من العلم السابق.
كما فتح صفحة جديدة مع الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين (ONLF)، معلنًا التوصل إلى تفاهمات تهدف إلى إنهاء الصراع المسلح، وتهيئة الظروف لعودة الحركة إلى العمل السياسي السلمي، وهي الخطوة التي أسهمت لاحقًا في توقيع اتفاق سلام بين الحكومة الإثيوبية والجبهة.
إصلاحات أمنية وإدارية واسعة
باشرت الإدارة الجديدة تنفيذ تغييرات واسعة داخل المؤسسات الأمنية، شملت إقالة عدد من القيادات البارزة في قوات “ليو بوليس” المتهمة بارتكاب انتهاكات خلال المرحلة السابقة، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والإدارية، إلى جانب تشكيل حكومة جديدة ضمت شخصيات من مختلف مكونات الإقليم.
كما أطلقت الحكومة حملة لإعادة بناء الإدارات المحلية، وإعادة الممتلكات التي صودرت بطرق غير قانونية، ورد الاعتبار للقيادات التقليدية، وإزالة القيود التي كانت مفروضة على الممارسات الدينية والثقافية، فضلًا عن إعادة الاعتراف بالرموز الوطنية والثقافية التي تعكس الهوية الصومالية لسكان الإقليم.
حصيلة ثمانية أعوام
يرى أنصار الرئيس مصطفى محمد عمر أن الإقليم شهد خلال السنوات الماضية تحسنًا ملحوظًا في مستوى الأمن والاستقرار، وانخفاضًا في حدة الانتهاكات، إلى جانب توسع الحريات العامة، وتحسن العلاقة مع الحكومة الفيدرالية، وتهيئة بيئة أكثر انفتاحًا للعمل السياسي.
في المقابل، يشير مراقبون إلى أن الإقليم لا يزال يواجه تحديات تتعلق بتسريع التنمية الاقتصادية، وخلق فرص العمل، وتحسين الخدمات الأساسية، فضلًا عن تعزيز المؤسسات وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد.
أخيرا
بعد نحو ثمانية أعوام من توليه رئاسة إقليم الصومال الإثيوبي، يظل مصطفى محمد عمر أحد أكثر الشخصيات السياسية تأثيرًا في تاريخ الإقليم الحديث. فقد ارتبط اسمه بإنهاء مرحلة اتسمت بالقبضة الأمنية والانتهاكات، وفتح صفحة جديدة عنوانها المصالحة والانفتاح والإصلاح المؤسسي. وبينما يرى مؤيدوه أنه نجح في ترسيخ الأمن واستعادة ثقة المواطنين وإعادة الاعتبار للهوية الصومالية داخل الإقليم، يرى آخرون أن الطريق لا يزال طويلًا أمام تحقيق تنمية اقتصادية شاملة وترسيخ مؤسسات حكم أكثر قوة واستدامة.
ومهما تباينت التقييمات، فإن ما جرى في أغسطس/آب 2018 شكّل نقطة تحول فارقة في تاريخ الإقليم، وأعاد رسم العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الإقليم والحكومة الفيدرالية الإثيوبية. ويبقى التحدي الأكبر أمام قيادة مصطفى محمد عمر هو تحويل مكتسبات الاستقرار السياسي إلى إنجازات تنموية مستدامة، بما يضمن أن تتحول تجربة التغيير من حدث سياسي استثنائي إلى مشروع مؤسسي راسخ يصمد أمام تقلبات المستقبل.