هيرشبيلي بين غياب الرؤية وفرصة التغيير: نحو ولاية قوية ومستقرة

المزيد للقراءة

هيرشبيلي بين غياب الرؤية وفرصة التغيير: نحو ولاية قوية ومستقرة

تدخل ولاية هيرشبيلي مرحلة مفصلية مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، وهي مرحلة لا ينبغي أن تُختزل في مجرد انتقال السلطة بين أشخاص أو مجموعات، بل يجب أن تكون فرصة حقيقية لمراجعة التجربة السابقة، واستخلاص الدروس، والانطلاق نحو مشروع جديد يقوم على الرؤية والكفاءة وبناء المؤسسات.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: لماذا بقيت هيرشبيلي، رغم مرور أكثر من عشر سنوات على تأسيسها، في مؤخرة الولايات الفيدرالية من حيث التنمية والاستقرار وبناء المؤسسات؟

إن هذا السؤال لا يعني تجاهل التحديات الأمنية والسياسية التي واجهت الولاية، لكنه يؤكد حقيقة أساسية؛ وهي أن غياب القيادة السياسية الفاعلة، وفقدان الرؤية الاستراتيجية، وضعف الإدارة، كلها عوامل تحول التحديات إلى أزمات دائمة.

فالمشكلة لم تكن في قلة الموارد، وإنما في غياب مشروع طويل المدى يحدد مستقبل الولاية، ويضع الخطط العملية لتحقيقه.

لقد طغت خلال السنوات الماضية إدارة الشأن اليومي على حساب التخطيط المؤسسي، وغابت الرؤية الموحدة بين مؤسسات الحكم، مما أدى إلى ضعف الأداء، وتعثر المشاريع، وتراجع مستوى الخدمات، وبقاء المواطن بعيدًا عن ثمار التنمية التي كان ينتظرها.

وهيرشبيلي ليست ولاية فقيرة حتى تبرر تأخرها؛ فهي تمتلك أراضي زراعية خصبة، ونهري شبيلي، وثروة حيوانية كبيرة، وموقعًا استراتيجيًا مهمًا، إضافة إلى طاقات بشرية قادرة على صناعة التحول. لكن الثروات لا تكفي وحدها، فالتنمية تحتاج إلى قيادة رشيدة، ومؤسسات قوية، وسياسات واضحة.

لقد كانت إحدى أكبر نقاط الضعف في تجربة الولاية ضعف بناء المؤسسات، خاصة منظومة العدالة، التي لم تتحول إلى سلطة مستقلة وفاعلة تفرض سيادة القانون، وتحمي الحقوق، وتعيد ثقة المواطنين بالدولة. فالعدالة ليست مجرد جهاز إداري، بل هي أساس الاستقرار والتنمية، وغيابها يضعف الدولة ويعرقل الاقتصاد والاستثمار.

كما أن القطاع الأمني بحاجة إلى إعادة بناء تقوم على المهنية والانضباط والتخطيط، بحيث يصبح الأمن قاعدة للتنمية والاستقرار، لا مجرد اسم على الورق أو أداة تُستخدم لتكريس الأزمات الأمنية والاجتماعية، أو التضييق على الحريات، أو تعزيز الهيمنة.

وفي الجانب الاقتصادي، تملك هيرشبيلي مقومات أن تكون مركزًا للإنتاج الزراعي والغذائي في الصومال، إذا تم الاستثمار في الزراعة، وتطوير البنية التحتية، وتشجيع القطاع الخاص، وربط الإنتاج بالأسواق. كما أن الاستثمار في التعليم والصحة والشباب والتحول الرقمي يجب أن يكون جزءًا من مشروع بناء الولاية الحديثة.

واليوم، لا ينتظر المواطن مجرد تغيير الأسماء، بل ينتظر تغيير طريقة التفكير السياسي وأسلوب الحكم؛ الانتقال من إدارة الأشخاص إلى بناء المؤسسات، ومن القرارات المؤقتة إلى التخطيط الاستراتيجي، ومن الولاءات الضيقة إلى ثقافة الكفاءة والمصلحة العامة.

إن القيادة الحالية غير قادرة على تقديم مشروع واضح يمتد لسنوات طويلة، يحدد الأولويات، ويضع أهدافًا قابلة للقياس، ويجعل الإنجاز معيارًا للحكم، مع تعزيز الشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد وفتح المجال أمام الكفاءات الوطنية، مما يجعل التغيير ضرورة ملحة في أسرع وقت ممكن.

فالمعركة الحقيقية في الانتخابات القادمة لا ينبغي أن تكون صراعًا بين أشخاص، أو مجرد تنافس على مواقع السلطة، وإنما ينبغي أن تكون مواجهة بين نهجين مختلفين: نهجٍ يُبقي الولاية في دائرة الأزمات، ويسعى إلى تمديد الواقع الجامد الأليم القائم لفترة جديدة دون تغيير جوهري، ونهجٍ آخر يسعى إلى بناء دولة المؤسسات والتنمية والحكم الرشيد، والانتقال من سياسة جامدة أثبتت محدوديتها إلى سياسة مدروسة تقوم على رؤية واضحة وتخطيط عميق.

إن هيرشبيلي لا تحتاج إلى معجزة، بل تحتاج إلى قيادة تمتلك رؤية واضحة، وإرادة سياسية تؤمن بأن بناء الدولة يكون عبر المؤسسات لا الأفراد، ومن خلال المشاريع والإنجازات الحقيقية لا عبر الدعايات والشعارات.

فالنجاح في المرحلة القادمة لن يُقاس بمن يصل إلى السلطة فقط، وإنما بما يستطيع أن يقدمه من تحول حقيقي يجعل هيرشبيلي ولاية قوية، مستقرة، ومنتجة، تستعيد ثقة مجتمعها، وتحتل مكانتها بين الولايات الفيدرالية.

بقلم: علي أحمد محمد المقدشي

Share

اقرأ هذا أيضًا