حركة الشباب والصومال.. بين التهديد الأمني وصمود الدولة

المزيد للقراءة

تتجدد التساؤلات بشأن قدرة حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة على استعادة السيطرة على الصومال، في ظل استمرار الهجمات المسلحة، وتصاعد الخلافات السياسية الداخلية، والمخاوف المرتبطة بالتحولات في الوجود العسكري الأجنبي. غير أن قراءة المشهد الصومالي تكشف عن معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد الربط بين استمرار التهديد الأمني واحتمالات سقوط الدولة.

ورغم ما تمتلكه الحركة من قدرات عسكرية ومالية وشبكات نفوذ في أجزاء من جنوب ووسط البلاد، فإن تقدير قدرتها على الاستيلاء على مقديشو أو السيطرة على الصومال بأكمله يظل مرتبطًا بموازين القوة الفعلية، وطبيعة المؤسسات الوطنية، وحجم الدعم العسكري والدبلوماسي الذي تتلقاه الدولة الصومالية.
خلافات سياسية ومخاوف أمنية
أكد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أن حركة الشباب لن تتمكن من استعادة السلطة في البلاد، مشددًا على قدرة الحكومة الفيدرالية على مواصلة الحرب ضد الحركة وإنهاء تهديدها.

في المقابل، وجّه الرئيس السابق شيخ شريف شيخ أحمد، ورئيس الوزراء السابق حسن علي خيري، انتقادات إلى إدارة الحكومة للعمليات العسكرية، معربين عن قلقهما إزاء الخسائر التي تتكبدها القوات المسلحة، وتأثير الخلافات السياسية في مسار الحرب.

كما حذّر السياسي عبد الرحمن عبد الشكور ورسمي من خطورة استمرار التنافس السياسي على حساب الأولويات الأمنية، مشيرًا إلى أن الأوضاع الراهنة قد تفضي إلى سيناريو مشابه لما شهدته أفغانستان مع سقوط حكومة أشرف غني.
وتعكس هذه التصريحات حجم القلق السياسي من التحديات الأمنية، لكنها لا تعني بالضرورة أن الصومال يتجه نحو تكرار التجربة الأفغانية؛ إذ تختلف طبيعة الصراع، وموازين القوة، وتركيبة المؤسسات الوطنية، وشبكة التحالفات الإقليمية والدولية في الحالة الصومالية.
الصومال ليس سوريا ولا أفغانستان
تثير المقارنات بين الصومال وسوريا وأفغانستان مخاوف من احتمال انهيار الدولة، إلا أن هذه المقارنات تحتاج إلى قراءة دقيقة للفوارق السياسية والعسكرية.
فالتجربة السورية ارتبطت بحرب داخلية واسعة، وانقسام عسكري وسياسي عميق، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وتدخلات إقليمية ودولية متشابكة، قبل سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024.
أما التجربة الأفغانية، فقد ارتبطت بانهيار سريع للمؤسسات الحكومية والجيش عقب الانسحاب الأمريكي، في ظل اختلالات بنيوية في منظومة الحكم، واعتماد واسع على الدعم الخارجي.
وفي المقابل، يمتلك الصومال منظومة مؤسسات اتحادية، وقوات مسلحة وطنية، وقوات أمن تابعة للولايات الفيدرالية، إلى جانب شراكات عسكرية ودبلوماسية وتنموية تسهم في تعزيز قدرات الدولة.
كما أن تجربة الصومال خلال السنوات الماضية أظهرت قدرة الدولة على استعادة مناطق واسعة من سيطرة حركة الشباب، بدعم من القوات الوطنية والقوات الإفريقية والشركاء الدوليين.
ومن ثم، فإن استمرار التحديات الأمنية لا يعني أن سقوط الدولة بات سيناريو وشيكًا، كما أن المقارنة بين التجارب المختلفة لا ينبغي أن تتجاهل خصوصية الحالة الصومالية.
الحضور التركي.. شراكة متعددة الأبعاد
يمثل الحضور التركي في الصومال أحد أبرز عناصر الدعم الاستراتيجي للدولة الصومالية، إذ يجمع بين الأبعاد العسكرية والدبلوماسية والتنموية والاقتصادية.
فعلى المستوى العسكري، أسهمت تركيا في تدريب وتأهيل القوات المسلحة الصومالية، من خلال مؤسسات التدريب العسكري، وفي مقدمتها مركز التدريب العسكري التركي في مقديشو، إلى جانب التعاون في تطوير القدرات الدفاعية والأمنية.
أما دبلوماسيًا، فقد دعمت أنقرة وحدة الصومال وسيادته، وعززت حضوره في المحافل الدولية، كما اضطلعت بدور الوساطة في عدد من الملفات الإقليمية المرتبطة بأمن البلاد واستقرارها.
وفي المجال التنموي، أسهمت المشروعات التركية في قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية والمساعدات الإنسانية في دعم جهود إعادة بناء الدولة، وتعزيز قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
وتكمن أهمية هذه الشراكة في تكامل أبعادها؛ فالدعم العسكري يسهم في بناء القدرات الدفاعية، والدعم الدبلوماسي يعزز السيادة الوطنية، فيما تدعم المشروعات التنموية مقومات الاستقرار طويل الأمد.
وبذلك، يمثل الحضور التركي أحد العوامل المهمة في حماية مكتسبات الدولة الصومالية، وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الأمنية والسياسية.
القوات الفيدرالية وقوات الولايات.. منظومة دفاع وطنية
لا تقتصر معادلة الأمن الصومالي على القوات المسلحة التابعة للحكومة الفيدرالية، بل تشمل أيضًا القوات الأمنية والعسكرية التابعة للولايات الفيدرالية، التي تؤدي أدوارًا مهمة في مواجهة حركة الشباب وتأمين المناطق الخاضعة لسلطة الدولة
وتشكل هذه القوات، إلى جانب الجيش الوطني والشرطة والأجهزة الأمنية، جزءًا من منظومة الدفاع عن الدولة، خصوصًا في المناطق التي تتطلب حضورًا أمنيًا مستمرًا وقدرات محلية على التعامل مع التهديدات.
غير أن فعالية هذه المنظومة تظل مرتبطة بمدى التنسيق بين الحكومة الفيدرالية والولايات، وتوحيد الأولويات العسكرية، وتجاوز الخلافات السياسية التي قد تؤثر في كفاءة العمليات الأمنية.
فالتحدي الأساسي لا يتمثل في غياب القدرات الوطنية، بقدر ما يتمثل في ضرورة توحيدها ضمن استراتيجية أمنية شاملة، تضمن استمرار الضغط العسكري على الحركة، وتحول دون استغلالها الخلافات الداخلية.
دول الجوار.. مصالح مشتركة في استقرار الصومال
تمثل دول الجوار الصومالي عنصرًا مهمًا في المعادلة الأمنية الإقليمية، بحكم الجغرافيا والتداخلات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
وتؤدي إثيوبيا وكينيا وجيبوتي، إلى جانب أوغندا التي شاركت في بعثات الاتحاد الإفريقي، أدوارًا متفاوتة في دعم الأمن الصومالي ومواجهة حركة الشباب.
كما أن استقرار الصومال يرتبط بصورة مباشرة بأمن المنطقة، نظرًا إلى التهديدات العابرة للحدود التي تمثلها الجماعات المسلحة، وتأثيراتها في حركة التجارة والتنقل والاستقرار الإقليمي.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه الشراكات يظل مرهونًا باحترام السيادة الصومالية، وتنسيق الجهود مع المؤسسات الوطنية، وتجنب تحويل الأراضي الصومالية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
الانسحاب الأوغندي.. تحدٍ أمني لا يعني انهيار الدولة
تثير عملية الانسحاب التدريجي للقوات الأوغندية من الصومال مخاوف بشأن احتمال استغلال حركة الشباب لأي فراغ أمني قد ينجم عن إعادة تشكيل الوجود العسكري الإفريقي.
وقد أعلنت أوغندا بدء سحب قواتها في نوفمبر 2026، ضمن عملية تدريجية تنهي انتشارًا عسكريًا استمر قرابة عقدين، فيما تتواصل الترتيبات المتعلقة بإعادة توزيع
ويفرض هذا التحول على الحكومة الصومالية تسريع جهود بناء القدرات الوطنية، وتعزيز جاهزية القوات المسلحة، وتطوير منظومة القيادة والسيطرة والإمداد، بما يضمن عدم ترك المناطق الاستراتيجية عرضة للاستغلال من قبل الحركة.
لكن الانسحاب الأجنبي لا يمثل بالضرورة مؤشرًا على انهيار الدولة، بل يمكن أن يشكل فرصة لتعزيز السيادة الوطنية، إذا ما جرى وفق انتقال أمني منظم، يضمن استمرار العمليات العسكرية وحماية المكتسبات الميدانية.
 تهديد مستمر.. وسيطرة غير مرجحة
تشير المعطيات العسكرية والسياسية إلى أن حركة الشباب لا تزال تشكل تهديدًا خطيرًا للأمن والاستقرار في الصومال، وتمتلك القدرة على تنفيذ هجمات مؤثرة واستغلال الثغرات الأمنية والخلافات السياسية.
لكن استمرار هذا التهديد لا يعني امتلاك الحركة القدرة على الاستيلاء على مقديشو أو السيطرة على البلاد بأكملها.
فالدولة الصومالية تمتلك مقومات صمود متعددة، تشمل المؤسسات الاتحادية، والقوات المسلحة الوطنية، وقوات الولايات الفيدرالية، والشراكات العسكرية والدبلوماسية والتنموية، وفي مقدمتها الشراكة التركية، فضلًا عن دعم دول الجوار والجهود الإقليمية والدولية.
كما أن تجربة الصومال خلال السنوات الماضية تؤكد أن الحركة لم تتمكن من إعادة السيطرة على مقديشو، رغم استمرار الصراع والتحديات الأمنية.
وبناءً على ذلك، فإن السيناريو الأكثر واقعية لا يتمثل في حتمية سقوط العاصمة، بل في استمرار المواجهة بين الدولة والحركة، مع تفاوت مستوى التهديد تبعًا للظروف السياسية والعسكرية.
فحركة الشباب لا تزال خطرًا أمنيًا حقيقيًا، لكنها لا تمتلك، وفق المعطيات الراهنة، مقومات حتمية الاستيلاء على مقديشو، ولا يمكن اعتبار سقوط الدولة الصومالية أمرًا وشيكًا أو حتميًا.
ويبقى العامل الحاسم في تعزيز هذا المسار هو قدرة الصوماليين على توحيد جبهتهم الداخلية، وتطوير مؤسساتهم الأمنية، وتوظيف الشراكات الإقليمية والدولية في إطار مشروع وطني يحمي سيادة البلاد ووحدتها واستقرارها.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Share

اقرأ هذا أيضًا