ليست بلدوين أمام خلاف سياسي عابر، ولا أمام أزمة إدارية يمكن احتواؤها بقرارات فوقية أو تسويتها بتوازنات مؤقتة، بل تقف أمام منعطف بالغ الخطورة يمس استقرار إقليم هيران ومستقبل ولاية هيرشبيلي. وفي ظل تصاعد التوتر السياسي والأمني، تبرز أسئلة ملحّة: هل يمتلك الفاعلون السياسيون الشجاعة لتغليب الحوار، أم ستُدفع المدينة إلى مواجهة لا رابح فيها؟
إن الأزمة الراهنة تتجاوز الخلاف على المناصب والترتيبات الإدارية، لتكشف عن إشكالية أعمق تتعلق بالتمثيل السياسي، والعدالة في تقاسم السلطة، وطبيعة العلاقة بين الإدارة الإقليمية والمكونات المحلية. فحين يشعر جزء من المجتمع بأن ترتيبات الحكم لا تعكس تطلعاته، فإن تجاهل مطالبه لا ينهي الأزمة، بل يراكم أسبابها ويدفعها نحو مسارات أكثر تعقيدًا
من الخلاف السياسي إلى التوتر الأمني
إن أخطر ما يواجه بلدوين اليوم هو انتقال الخلاف السياسي إلى المجال الأمني، حيث تتقاطع المطالب السياسية مع التحركات المسلحة، ويصبح التنافس على النفوذ مصدرًا لتهديد الاستقرار.
وقد شهدت المدينة تطورات متسارعة في ظل التباينات بين القوى المؤيدة لإدارة هيرشبيلي في مدينة جوهر والمعارضة لها المتمركزة في بلدوين، وسط مخاوف من اتساع دائرة المواجهة. ومهما كانت مبررات الأطراف ومواقفها، فإن تحويل الخلاف إلى صراع مسلح لن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وإضعاف المجتمع.
وتزداد خطورة هذا المشهد بالنظر إلى أن بلدوين تقع في محيط أمني حساس، تتواصل فيه العمليات العسكرية ضد حركة الشباب. ومن ثم، فإن استنزاف القوى المحلية في صراعات داخلية قد يخلق فراغًا أمنيًا تستفيد منه الجماعات المسلحة، ويبدد الجهود المبذولة لحماية المدينة.
فليس من الحكمة أن يتحول الخلاف على السلطة إلى سبب في إضعاف الجبهة التي يفترض أن تحمي المجتمع من الإرهاب.
الحوار ليس تنازلًا عن الحقوق
من الأخطاء السياسية الشائعة اعتبار الحوار علامة ضعف، أو التفاوض اعترافًا بالهزيمة. والحقيقة أن الحوار هو الوسيلة الأكثر عقلانية لتحويل المطالب المشروعة إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ، والخلافات إلى حلول تحفظ الحقوق وتضمن الاستقرار.
إن قضايا التمثيل السياسي وتقاسم السلطة والمشاركة العادلة في مؤسسات ولاية هيرشبيلي لا يمكن معالجتها بالتجاهل أو الإقصاء، كما أن رفض المؤسسات القائمة بصورة مطلقة أو اللجوء إلى القوة لفرض ترتيبات بديلة لن يحقق بالضرورة المطالب، بل قد يفتح الباب أمام صراع يصعب التحكم في نتائجه.
المطلوب ليس أن ينتصر طرف على آخر، بل أن تتراجع جميع الأطراف عن منطق الغلبة، وأن تتقدم نحو صيغة سياسية عادلة تضمن المشاركة وتحفظ كرامة الجميع.
فالحكمة ليست في القدرة على إشعال المواجهة، بل في امتلاك الشجاعة لإيقافها.
مسؤولية الحكومة الفيدرالية: احتواء الأزمة لا توسيعها
تقع على الحكومة الفيدرالية الصومالية مسؤولية كبيرة في احتواء الأزمة، وتعزيز التفاهم بين الحكومة المركزية والولايات الأعضاء، والحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها.
غير أن معالجة الخلافات السياسية لا ينبغي أن تقوم على فرض الأمر الواقع أو استخدام المؤسسات الأمنية لتسوية النزاعات. فأي تحرك عسكري في ظل غياب تسوية سياسية قد يؤدي إلى توسيع دائرة المواجهة، وإضعاف الثقة بين المجتمع والمؤسسات الوطنية.
إن الخيار الأكثر حكمة هو إطلاق مبادرة سياسية عاجلة، بمشاركة الحكومة الفيدرالية، وقيادة هيرشبيلي، والقيادات التقليدية، والشخصيات السياسية في إقليم هيران، بما يضمن تمثيل مختلف الأطراف المعنية.
فالدولة القوية ليست التي تفرض إرادتها بالقوة، بل التي تمتلك القدرة على إدارة اختلافاتها بالعدل والحكمة.
من الدعوة إلى الحوار إلى صناعة الحل
إن الحوار لا ينبغي أن يبقى شعارًا عامًا، بل يجب أن يتحول إلى مسار عملي يقوم على خطوات واضحة:
أولًا: وقف التحركات العسكرية، والاتفاق على تهدئة أمنية تمنع الاحتكاك بين القوات والمجموعات المسلحة.
ثانيًا: تشكيل لجنة وساطة موثوقة تضم شخصيات وطنية وتقاليدية تحظى بقبول الأطراف المتنازعة.
ثالثًا: عقد مؤتمر سياسي جامع في بلدوين لمناقشة جذور الأزمة، وقضايا التمثيل وتقاسم السلطة، والعلاقة بين إقليمي هيران وشبيلي الوسطى.
رابعًا: وضع ضمانات سياسية وأمنية لتنفيذ مخرجات الحوار، ومنع استخدام القوة لفرض نتائج المفاوضات.
خامسًا: تحييد المؤسسات الأمنية عن الصراع السياسي، والحفاظ على التعاون بين القوات الوطنية والمجموعات المحلية في مواجهة حركة الشباب.
إن نجاح هذه الخطوات يتطلب إرادة سياسية صادقة، واستعدادًا لتقديم تنازلات متبادلة، وإدراكًا بأن مصلحة المدينة والولاية والبلاد أكبر من الحسابات الشخصية والسياسية الضيقة.
بلدوين ليست ساحة لتصفية الحسابات
إن من حق أبناء بلدوين المطالبة بالتمثيل العادل والمشاركة في إدارة شؤونهم وحماية مصالحهم السياسية والاجتماعية. لكن من واجب جميع الأطراف أن تدرك أن الحقوق لا تُصان بإراقة الدماء، وأن المطالب المشروعة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للمواجهة المسلحة.
فالمدينة التي عانت طويلًا من آثار الصراع لا تحتمل جولة جديدة من العنف، والمجتمع الصومالي الذي دفع أثمانًا باهظة نتيجة الانقسامات بحاجة إلى نموذج جديد في إدارة الخلافات، يقوم على الحوار والتوافق، لا على الإقصاء والغلبة.
إن بلدوين ليست ملكًا لطرف سياسي أو اجتماعي بعينه؛ إنها مدينة لجميع أبنائها، وأمنها واستقرارها مسؤولية جماعية لا تقبل المساومة.
انتصار الحوار هو انتصار للجميع
إن الأزمة الراهنة تمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة، وتصحيح الاختلالات، وترسيخ ثقافة التوافق. فليس مطلوبًا من أحد أن يتخلى عن حقوقه، ولا من طرف أن يقبل بما يراه ظلمًا، بل المطلوب أن يدرك الجميع أن التسوية السياسية العادلة هي الطريق الأقدر على حفظ الحقوق وصون الاستقرار.
إن التاريخ لا يذكر القادة الذين أشعلوا الأزمات بوصفهم صناع سلام، بل يذكر أولئك الذين امتلكوا الشجاعة لإيقافها، وحوّلوا لحظات الانقسام إلى فرص للمصالحة.
بلدوين اليوم بحاجة إلى رجال دولة، لا إلى رجال مواجهة؛ وإلى عقول تبحث عن الحلول، لا إلى أصوات تغذي الانقسام.
فلتكن طاولة الحوار هي الميدان الذي تُحسم فيه الخلافات، ولتكن مصلحة المدينة فوق المصالح الشخصية والحسابات السياسية الضيقة.
إن الحوار ليس ضعفًا، والتوافق ليس هزيمة، والتنازل المتبادل ليس انتقاصًا من الحقوق؛ بل هو جوهر السياسة الرشيدة، وأساس بناء الدولة، وضمانة الاستقرار.
بلدوين لا تحتاج إلى منتصر ومهزوم، بل إلى تسوية عادلة ينتصر فيها الجميع، ويُصان فيها الدم، ويُحمى فيها مستقبل المدينة وأبنائها.
فالأوطان لا تُبنى بالغلبة، والمدن لا تستقر بالإقصاء، والسلام الحقيقي لا يولد من فوهات البنادق، بل من إرادة صادقة تؤمن بأن الحوار هو الطريق إلى المستقبل.

