الرئيسية » مقالات » تصحيح المعرفة ودورها في نهضة المسلمين

تصحيح المعرفة ودورها في نهضة المسلمين

نقصد بمنهاج المعرفة بكل ما يتعلق بموضوعها, وأهدافها, ومحتواها ومصادرها وطريقة الوصول اليها.

فأهم شيء اتى به الاسلام هو تصحيح المعرفة من جانبين:

الأول هو تصحيح موضوع المعرفة (المحتوى وهو ماذا نتعلم?) والثاني هو تصحيح المنهج المؤدي اليها اي المصادر وهو سؤال ( كيف نحصل على هذه المعرفة?) .

فالقران الكريم جاء ببناء جديد للمعرفة يبين الأولويات المعرفية فمعرفة الله [ الايمان] هي أي أهم المعارف وأشرفها, وهكذا .

أهم ميزة لطريقة القران هو أنه أشاع جو الحرية المعرفية بحيث تكون المعرفة قائمة على البرهان والدليل واعتبر الحق أمرا محايدا يصيبه من اجتهد ولا علاقة له بالحب والبغض, وبهذا حارب القران ما يمكن تسميته بالنمذجة والتحيزات والظنون ومتابعة الاباء , ودعا الى الصدق والتثبت والعدل والتحري والعلم.

وهذا المنهج القراني اثر فيما بعد على مناهج العلماء في بناء العلوم.

قال الخطيب البغدادي رحمه الله :
” فليس أحد من أهل الحديث يحابي في الحديث أباه ، ولا أخاه ، ولا ولده . وهذا علي بن عبد الله المديني ، وهو إمام الحديث في عصره ، لا يروى عنه حرف في تقوية أبيه بل يروى عنه ضد ذلك ” اهـ شرف أصحاب الحديث (41) .

وقال ابن حبان في “المجروحين” (2/15) :
” سئل علي بن المديني عن أبيه ؟ فقال : ” اسألوا غيري ” فقالوا : سألناك ، فأطرق ، ثم رفع رأسه وقال : ” هذا هو الدين، أبي ضعيف ” انتهى .

فالمسلمون الأوائل [ الصحابة مثلا] توفرت لديهم معرفة صحيحة عن أنفسهم وعن العالم الخارجي .

وكانوا يعرفون الشعوب وأرباب الديانات الأخرى على حقيقتها بلا افراط أو تفريط فمثلا نظرة الى المسلمين الى اليهود والنصارى نظرة معتدلة, وهي مستقاة من القران والسنة فأهل الكتاب ند حضاري وديني ولذلك نحاورهم باحترام (ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن) وعندهم بعض الحق فليست كل معتقداتهم باطلة, وبيننا وبينهم مشتركات وقواسم ولذلك حل زواج نسائهم وأكل ذبائحهم, وليسوا كلهم خبثاء وخائنون ( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة ….الاية), ويجب القسط معهم والبر بهم, اذا لم يعتدوا علينا , وكذلك يجب قتالهم وقتلهم اذا كانوا معتدين, ويشرع أخذ الجزية منهم.

وهكذا فليس عند المسلمين صورة نمطية واحدة عن أهل الكتاب.

وهذا هو سر نجاح الصحابة فلو كانوا أسرى لصور خادعة وقراءات خاصة لتاهوا واختلفوا كثيرا في مواجهة الواقع.

وأزعم أنه من المشكلات التي عانى منها المسلمون وهم يتلمسون طريقهم الى القوة قصور المنهاج المعرفي وهي افة تتعلق بمنهج اكتساب المعرفة التي يبنى عليها القرارات .

وبيان ذلك أنه فشت حالة من الاعتماد على الظنون والاتكال على ما يقوله الأحباب عن الخصوم والاعتماد على أجوبة نموذجية جاهزة وكثير منها ظنون وأهواء والله عز وجل قال (ان الظن لا يغني من الحق شيئا) .

وبالجملة صار عندنا ركام من الاجابات النمطية الثابتة عن كثير من المفاهيم والمصطلحات والنظريات وعن الأحزاب وأغلبها ملونة بلون العاطفة والأيدلوجيا, وبعيدة عن الواقع.

وكل ذلك ليس عن معايشة أو باجراء بحوث جادة منصفة تقوم بها مؤسسات علمية, وانما بقراءة كتاب أو كتابين او باستماع محاضرة لكاتب او لشيخ لا ندري مدى توفر الرؤية السليمة للواقع لديه.

ولهذا السبب -ضمن عوامل أخرى- تبخرت كثير من الاراء والصور النمطية وصار كثير من الجماعات ورجال العلم والدعوة تقلبت مواقفهم واراؤهم لأنها لم تقف في الماضي على أرضية معرفية صلبة.

Share This:

عن محمد عمر أحمد

محمد عمر أحمد
باحث وكاتب صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *