إعادة التموضع….. خطوة إلى الأمام

المزيد للقراءة

إعادة التموضع….. خطوة إلى الأمام.

في العاشر من ديسمبر عام 2010م، وفي اليوم العالمي لحقوق الإنسان، نشرتُ أول مقال لي في الفضاء العربي، اخترت منصة «الصومال اليوم»، التي كانت آنذاك قبلة الكتاب بلغة الضاد من مثقفي الصومال وغيرهم، وكان عنوان المقال: «أوليست نفسًا؟!».

أستعيد تلك اللحظة اليوم لا لأؤرِّخ لبداية تجربتي في الكتابة، وإنما لأقف على بداية وعيٍ لم يكن قد اكتمل، ولأعترف بمراهقة فكريٍّة كنت ضحيتها،  كتبت المقال لإظهار حقيقة مستبطنة، وهي الحجاج بان الإسلام دين إنساني اكثر من معاهدات الغرب في ذلك الصدد،  وكنت أحسب أن ما افعل يحقق انتصارًا للإسلام، بينما كنت من حيث لا أشعر، أُخضعه لمعيارٍ لم أكن قد امتلكت الجرأة على مساءلته.

كنت أقرأ القضايا الكبرى التي تؤرق الإنسانية في ضوء ما وصل إليه النموذج الغربي،  ثم كنت أتخذ منه نموذجا مرجعيا يملك حق الحكم على الأفكار والمواقف والمنظومات، ومن ثم أعود إلى الإسلام، فأستخرج من نصوصه ما يخال إلي أنه يوافق ذلك النموذج، ثم أعيد تأويله بما يحقق الانسجام والتماثل، ثم أخرج مزهوًّا بالنتيجة: لقد سبق الإسلامُ الغربَ إلى هذه الفكرة بقرون!

كنت أظن أنني أدافع عن الإسلام، ولم أكن منتبهًا إلى أنني في حقيقة الأمر أدافع عنه أمام محكمةٍ جعلتُ الغرب قاضيها، وجعلتُ معاييره قوانينها، ثم كنت أفرح كلما عثرتُ في تراثنا ما يثبت أن الإسلام قد نال براءةً مبكرة من هذه المحكمة!.

كانت المشكلة أعمق من مجرد الإعجاب بالغرب؛ كانت مشكلة في ترتيب العلاقة بين الإسلام والعالم، وفي تحديد من يملك سلطة التعريف، ومن يقف في موضع المعرَّف. كنت أبدأ من الغرب لأفهم الإسلام، بدل أن أبدأ من الإسلام لأفهم الغرب، وأبحث في تراثنا عما يؤكد ما استقر في ذهني من معايير، بدل أن أختبر تلك المعايير نفسها في ضوء الوحي والعقل ومآلات الأفكار.

وهكذا، من حيث أردتُ أن أجعل الإسلام شاهدًا على سبقنا الحضاري، جعلتُ الحضارة الغربية شاهدًة على صلاحية الإسلام!

حين يتحول المعيار إلى موضوع للمساءلة

كان التحول الحقيقي حين انتقلتُ من السؤال عن مدى توافق الإسلام مع المعايير الغربية إلى السؤال عن المعايير الغربية نفسها:   كيف نشأت؟ وما تصوراتها عن الإنسان والوجود؟ وما القيم التي تُقصيها أو تعيد تعريفها؟ وما المآلات التي تفضي إليها حين تتحول من مرجعيات مطلقة  إلى اجتهادات بشرية قابلة للنقد؟.

لقد أدركتُ أن الأفكار لا تُفهم من خلال شعاراتها المعلنة وحدها، ولا تُوزن بمكاسبها المباشرة فحسب؛ بل لا بد من ردِّها إلى أصولها، وتتبع علاقاتها، وفحص افتراضاتها، والنظر في مآلاتها. فالفكرة قد تحمل في بدايتها وعدًا بالخلاص، ثم تنتهي بفعل منطقها الداخلي وتراكم آثارها إلى نقيض ما بشرت به. وقد تبدو بعض النتائج الجزئية إنجازًا لا يُنكر، بينما تكشف الصورة الكلية عن اختلال أعمق في طور التشكل.
عندها بدأت أفهم أن الخلل لم يكن في محاولتي لإثبات أن الإسلام سبق الغرب إلى بعض ما يفتخر به، بل في افتراض أن الغرب هو الذي يحدد ابتداءً، ما يستحق أن نفتخر به. فليس كل ما يتأخر عنه الإسلام في ترتيب التاريخ نقصًا، كما أن ليس كل ما يسبقه إليه الغرب كمالًا؛ إذ لا بد قبل المقارنة من تحرير معيار المقارنة نفسه.

من الدفاع عن الإسلام إلى استعادة القدرة على المبادرة

في هذا السياق، أخذتُ أرى في مبادرة الشيخ أبي الحسن الندوي،  التي قدمها في كتابه الفذ «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟»، دلالةً تتجاوز موضوع المقارنة  إلى أفق أوسع في النظر إلى الإسلام وموقعه من العالم.
لقد أعاد الندوي ترتيب السؤال؛ فلم يجعل القضية مجرد إثبات أن الإسلام يملك أجوبةً عن الأسئلة التي يطرحها الآخرون، بل جعل العالم نفسه موضوعًا للمساءلة في ضوء الرسالة التي غابت عن قيادته الحضارية. لم يعد المسلم مطالبًا بأن يبرهن في كل مرة، على أن دينه لا يتعارض مع آخر ما أنتجه الفكر البشري؛ بل أصبح مطالبًا بأن يستعيد ثقته بقدرته على تقديم رؤيةٍ للإنسان والعالم، ويقدم البديل الحضاري المستقل الذي يلملم الشتات ويصلح الاختلالات التي تعجز المنظومات البشرية عن تجاوزها من داخل مقدماتها.
إن الفرق بين المقامين جوهري: ففي الأول يظل الآخر هو الذي يحدد الأسئلة، ويرسم حدود المقبول، ويمنح المسلم فرصة الدفاع عن نفسه داخل ملعبه؛ أما الثاني فيستعيد المسلم حقه في طرح الأسئلة، ومساءلة المسلَّمات، ونقد الأصول التي تنبني عليها المنظومات المنافسة.
وهذا في تقديري، هو أحد أهم التحولات التي نحتاج إليها في خطابنا الإسلامي: أن ننتقل من عقلية التبرير الدائم إلى عقلية التأسيس، ومن استدعاء النصوص لتزكية نتائج الآخرين إلى استحضار الوحي لبناء رؤية مستقلة، بديلة، ومن الانشغال بإثبات أن الإسلام لا يقل عن غيره إلى استكشاف ما يقدمه الإسلام مما لا تستطيع المنظومات الأخرى أن تقدمه بالمرجعية نفسها.
ولو استقام لنا هذا المسار الذي وضع  الشيخ الندوي حجره الأساس، لانتقلنا من موقع المتلقي الذي تستنزفه الأسئلة المتجددة إلى موقع المبادر الذي يمتلك رؤيةً يفسر بها العالم، ويميز بها بين ما ينفع الإنسان وما يضره، وما يحرره حقًّا وما ينقله من تبعية إلى تبعية أخرى.
في ظرف مشابه حدث قبل سنوات ان اشتدت الحملات الموجهة إلى الإسلام وثوابته، وتدفقت الشبهات في فضاء مفتوح لا يكاد يستقر على سؤال حتى يندفع إلى آخر. وكانت وفرة المحتوى وسرعة تداوله توحيان بأن المعركة لا تُحسم إلا بملاحقة كل شبهة، والرد على كل مقطع، وتفنيد كل اعتراض في اللحظة التي يظهر فيها.
لكن هذا المنطق، على ما فيه من مشروعية حين يكون الرد مطلوبًا، ينطوي على مأزق منهجي: إنه يجعل جدول أعمالنا مرهونًا بما ينتجه الآخرون، ويستنزف طاقتنا في معالجة الأعراض المتجددة، بينما قد تبقى الأصول التي تجعل الشبهة مؤثرةً في النفوس غير معالجة.
فالشبهة لا تستمد قوتها دائمًا من قوة حجتها؛ قد تستمدها من هشاشة الأرضية التي تستقبلها. وقد لا يكون الخلل في غياب الجواب بقدر ما يكون في غياب البناء المعرفي الذي يجعل الإنسان قادرًا على فهم الجواب، ووضع السؤال في سياقه، وتمييز ما فيه من مغالطات وافتراضات خفية.
وهنا استلم المبادرة شيخي وحبيبي الشيخ أحمد السيد الذي وضع الحجر الأساس لتوجه فكري جديد ينطلق من مبدأ يركز على أهمية الانتقال من مطاردة الشبهات إلى تأسيس اليقين؛ أي من الانشغال المتواصل بالفروع المتجددة، إلى بناء الأصول التي تتوقف عليها سلامة النظر وبناء الأسس التي تمكن المناعة الفكرية.
والفارق بين المنهجين ليس أن أحدهما يجيب عن الشبهات والآخر يتجاهلها؛ بل إن أحدهما يجعل الشبهة مركز العملية الفكرية، والآخر يجعل بناء اليقين مركزها. الأول يلاحق الأسئلة بعد ظهورها، والثاني يعمل على تكوين عقلٍ يستطيع أن يتعامل معها دون أن تهتز أصوله معها
وإني أرى أننا نقترب من مرحلة تستدعي استحضار هذا الدرس، وربما تفرض علينا أن نستوعبه قبل أن تتسع الفجوة بين سرعة التحولات الرقمية وبطء استجابتنا التربوية والفكرية.
إن ما يقلقني ليس مجرد انتشار الشبهات، ولا مجرد ظهور أصوات تنتقد الإسلام أو تناقش ثوابته؛ إن ما يقلقني حقًّا هو التحول الذي أصاب شروط تشكُّل الوعي لدى قطاع من الشباب: كيف يتلقون المعرفة؟ وما الذي يمنحونه انتباههم؟ وكيف تتكون قناعاتهم؟ وكم من الوقت يفصل بين سماع الفكرة وتبنِّيها، وبين التعرض للمحتوى والحكم على العالم من خلاله؟
نحن نعيش في الفضاء الرقمي، ما يشبه انفجارًا كامبريًّا في تنوع أشكال المحتوى وسرعة ظهوره وانتشاره؛ غير أن هذا الانفجار لا يقتصر على كثرة المواد المتداولة، بل يمتد إلى تعدد المرجعيات التي تتنافس على تشكيل وعي الشباب، وإلى سهولة انتقال الأفكار من أطراف العالم إلى عمق المجتمع الصومالي دون المرور بالمؤسسات التي كانت تتولى تقليديًّا التوجيه والتفسير والتمحيص.
وفي قلب هذا التحول يقف جيل Z وأمثالهم من روّاد المنصات السريعة؛ وهو جيلٌ يتعرض في دقائق معدودة لمواد تتناول الدين والسياسة والفلسفة والأخلاق والتاريخ، وتقدم له خلاصات نهائية لقضايا مركزية في قوالب جذابة، بينما تحجب عنه، في كثير من الأحيان، المقدمات التي أفضت إليها، والسياقات التي تفسرها، والاعتراضات التي ينبغي أن تُختبر بها.
والمشكلة هنا هي أن تتقدم أدوات التأثير على أدوات التكوين، وأن تصل الأسئلة إلى الشباب قبل أن تتوفر لهم المناهج التي تساعدهم على فهمها، وأن تتنافس المرجعيات على عقولهم بينما تظل مؤسساتنا منشغلةً بأشكال من الخطاب لم تعد كافية وحدها للوصول إليهم.
إننا أمام معركة على تشكيل الوعي؛ وأمام تنافس على الجيل، وفي هذه المعركة لا يكفي أن نملك الإجابات الصحيحة إن لم نملك القدرة على إيصالها، ولا يكفي أن نرصد الانحرافات إن لم نفهم الشروط التي تجعلها جذابة، ولا يكفي أن نطالب الشباب بالثبات إن لم نمنحهم من العلم والمنهج والثقة ما يعينهم عليه.
إن الجيل الذي يتشكل وعيه اليوم هو الذي سيحمل غدًا تبعات أعباء المجتمع ومن ثم يمتلك قراراته وخياراته. ولذلك فإن من يشارك في تشكيل وعي هذا الجيل يشارك بدرجة كبيرة في تشكيل المستقبل. وذلك وفق ماعبّر عنه الشيخ الشهيد أحمد ياسين، رحمه الله، بمقولته المزلزلة “إننا وهم في معركة مع الجيل، ومن يظفر بالجيل يظفر بالمستقبل”.

من مطاردة الشبهة إلى بناء اسس اليقين

من هنا قررت أن أختم مرحلةً من الكتابة انشغلت فيها بالرد على بعض الشبهات المثارة، بالمقال الذي وعدت به «الدين الإنساني المزعوم… هل يصمد أمام النقد؟»، لأنتقل بعدها إن شاء الله إلى أفق آخر في الكتابة، مستلهمًا المسار الذي أراه في تجربة شيخي أحمد السيد: تأسيس اليقين، وبناء الأصول، وتكوين العقل الذي لا يكتفي باستهلاك الإجابات، بل يمتلك أدوات الفهم والنقد والتمييز.
وليس هذا انتقالًا من الرد إلى الصمت، ولا من النقد إلى التسليم، ولا من مناقشة الاعتراضات إلى تجنبها؛ بل هو انتقال من جعل الشبهة نقطة البداية والنهاية إلى جعل بناء الاصول والثوابت هي القضية المركزية. فالرد على الشبهة قد يحسم نقاشًا، أما تأسيس اليقين فيمكن أن يغيّر طريقة التعامل مع مئات النقاشات التي لم تظهر بعد.
لقد بدأتُ الكتابة وأنا أريد أن أثبت أن الإسلام سبق الآخرين إلى ما وصلوا إليه، وها أنا أنتهي إلى أن السؤال الأهم هو عرض مقدار ما يملكه الإسلام من قدرة على تقديم بديل حضاري مستقل.
ان الانتصار الحقيقي ليس أن ننجح في إسكات كل شبهة، بل أن نُسهم في تكوين إنسان لا تستعبده الشبهة، ولا يخدعه بريق الفكرة، ولا يفقد بوصلته كلما تبدلت المرجعيات من حوله. إننا لا نحتاج إلى جيل يحفظ الردود بقدر حاجتنا إلى جيل يفهم الأصول التي تنبني عليها الردود.
ذلك هو التحول الذي أرجو أن تنعكس آثاره على كتاباتي المقبلة: أن أكتب لا لمجرد ملاحقة ما يثار، بل للمشاركة في بناء ما ينبغي أن يرسخ؛ وألا تظل كتابتي رهينةً للأسئلة التي يفرضها الآخرون، بل تنطلق من الأسئلة التي نحتاج نحن إلى طرحها، ومن الأصول التي ينبغي أن نعيد بناء علاقتنا بها، ومن المستقبل الذي لا يجوز أن نترك تشكيله لغيرنا.
وأسأل الله تعالى أن يجعل فيما أكتبه نفعًا لي وللمسلمين جميعًا، وأن يهديني إلى الحق في كل ما أقول وأكتب.
Abdullaahi Ali Ugaas

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Share

اقرأ هذا أيضًا