الصوماليون في أميركا بين خطاب ترامب وصعود المشاركة المدنية.

المزيد للقراءة

الصوماليون في أميركا بين خطاب ترامب وصعود المشاركة المدنية.

تعيش الجالية الصومالية في الولايات المتحدة تحولات لافتة خلال العقدين الأخيرين؛ فبعدما كانت جالية مهاجرة تبحث عن الأمان والاستقرار، أصبحت اليوم مجتمعًا فاعلًا اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، خاصة في ولاية مينيسوتا التي تمثل المركز الأكبر لوجود الصوماليين، ومع هذا التوسع، دخلت الجالية بقوة في صلب النقاشات السياسية الأميركية، لتصبح جزءًا من الخطاب الانتخابي، وخصوصًا في مرحلة صعود الرئيس دونالد ترامب سواء في حقبته الأولى او الحالية.

خطاب يستحضر “الآخر”
أثار ترامب عبر تصريحات عديدة تساؤلات حول دوافع استهدافه المتكرر للصوماليين، وما إذا كان ذلك يعكس مشاعر شخصية أو يدخل ضمن إستراتيجية انتخابية أوسع. وبقراءة أعمق لطبيعة السياسة الأميركية، يتضح أن استحضار الصوماليين في خطاب ترامب لم يكن نتيجة عداء مباشر، بقدر ما كان جزءًا من خطاب شعبوي يعتمد على صناعة “الآخر”، وتضخيم الفروق الثقافية والدينية لحشد القاعدة المحافظة.
كما أن بعض مزاعمه — مثل القول إن الصوماليين يفتقرون إلى أوراق رسمية — لا تستند إلى واقع؛ فالولايات المتحدة لا تمنح حق العمل لآلاف المهاجرين ثم تدّعي عدم قانونيتهم! إضافة إلى أن الصوماليين يشكلون نسبة صغيرة جدًا مقارنة بجاليات أخرى، ما يجعل تصويرهم كتهديد أمرًا غير منطقي.

كيف واجه الصوماليون استهداف ترامب؟
على الرغم من حدة الخطاب الشعبوي، فإن الجالية الصومالية لم تتراجع أو تنكفئ، بل واجهت هذه التصريحات بمزيد من التماسك والعمل الجماعي. فقد تحولت موجة الاستهداف إلى عامل قوة، حيث ازدادت الروابط الداخلية بين أفراد الجالية، واتسعت المشاركة المجتمعية والسياسية. ولم تكن الجالية وحدها في هذا الموقف؛ فقد وقف إلى جانبها قطاع واسع من الأميركيين البيض، إلى جانب الجاليات المسلمة والأفريقية. كما أعلن محافظ مدينة منيابوليس ، وعدد كبير من السياسيين في ولاية مينيسوتا دعمهم الواضح لها ورفضهم للخطاب العنصري، وامتد هذا الرفض إلى ولايات أخرى شهدت مظاهرات واسعة ضد تصريحات ترامب، أبرزها شيكاغو. هذا الالتفاف المجتمعي عزز ثقة الصوماليين بأنفسهم، ورسّخ حضورهم في الحياة العامة، وأثبت أن الخطاب العدائي لا يعكس موقف المجتمع الأميركي بأطيافه المختلفة.

مينيسوتا من جالية صامتة، إلى كتلة مؤثرة.
تُعد مينيسوتا أكبر موطن للصوماليين في الولايات المتحدة، وقد شهدت خلال السنوات الأخيرة نموًا اقتصاديًا واجتماعيًا متسارعًا داخل الجالية. فقد أسس الصوماليون شركاتهم، ودخلوا قطاع النقل بقوة، وبرزوا في الرعاية الصحية والتعليم والخدمة المدنية، كما توسعت مؤسساتهم المجتمعية والدعوية. هذا الحضور المتزايد جعلهم جزءًا من المشهد الانتخابي للولاية، وأصبح لهم وزنٌ تصويتي ملحوظ، خاصة مع ارتفاع نسبة الشباب الجامعي وتزايد المشاركة السياسية. وهكذا انتقل الصوماليون من موقع “الجالية الصامتة” إلى موقع “الكتلة المؤثرة” حتى إنّ مرشحًا صوماليًا كاد أن يفوز بمنصب عمدة مدينة مينيابوليس في الانتخابات التي جرت قبل نحو شهر.

إلهان عمر… رمز الاستقطاب.
يبرز حضور النائبة إلهان عمر بوصفها إحدى أهم الوجوه الصومالية في السياسة الأميركية. وقد شكلت مواقفها — خاصة تجاه السياسة الخارجية وخلافها المباشر مع ترامب — نقطة احتكاك حادة مع الخطاب المحافظ!، ورغم أن الهجوم عليها يُفهم أحيانًا باعتباره هجومًا على الجالية كلها، فإن جوهره سياسي متعلق بالاختلاف الأيديولوجي، لكن وجود شخصية صومالية في هذا الموقع المتقدم جعل الجالية جزءًا ضمنيًا من هذا الاشتباك. ومن المفارقات أن الخطاب العدائي لم يمنع حملة ترامب من محاولة التقرب من الجالية في انتخابات 2024، حتى في مدينة St. Cloud التي شهدت توسعًا صوماليًا كبيرًا. وقد طُلب مني شخصيًا حضور أحد فعالياته، لكنني فضّلت الاعتذار حفاظًا على دوري الدعوي وابتعادي عن التجاذبات السياسية.

حدود السلطة وعقبات القرارات التنفيذية.
يتساءل البعض: إذا كان للرئيس موقف سلبي من جالية معينة، فلماذا لا يتخذ قرارات مباشرة تمسها؟ والجواب يكمن في طبيعة النظام الأميركي القائم على الفصل بين السلطات. فكل قرار يتعلق بالهجرة أو الحقوق المدنية يحتاج المرور عبر: • الكونغرس • المحاكم الفيدرالية • الإعلام • الرأي العام • المنظمات الحقوقية. وقد أظهرت تجربة “حظر السفر” في بداية ولاية ترامب أن القضاء قادر على تعطيل أي قرار يُعد مخالفًا للدستور. ولذلك غالبًا ما يبقى الخطاب الانتخابي أداة ضغط ورسائل سياسية، بينما تحكم المؤسسات مسار السياسات الفعلية. كما يعتمد ترامب بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي لبث مواقفه والتأثير في الرأي العام، ما يجعل خطابه الإلكتروني أحيانًا أعلى من قراراته الرسمية.

جالية فاعلة تتجاوز الخطاب السياسي.
بعيدًا عن السجالات، حققت الجالية الصومالية تقدمًا ملحوظًا في سوق العمل والتعليم والعمل الأهلي. وقد برز حضورها في الحراك التضامني مع فلسطين داخل الجامعات والمنظمات الطلابية، وفي المسيرات التي شهدتها عدة ولايات. كما لعب الصوماليون دورًا مهمًا في تعزيز التعايش في مدن مثل St. Cloud، بل اكثر الولايات الامريكية عبر مبادرات تعليمية ومجتمعية رسخت علاقة أفضل مع بقية مكونات المجتمع.

مستقبل الصوماليين في أميركا
تشير المعطيات إلى أن الجالية الصومالية تتجه نحو ترسخ أكبر في الحياة الأميركية، سواء عبر المشاركة السياسية أو عبر التوسع الاقتصادي والاجتماعي. ومن المتوقع أن يتزايد تأثيرها في:
1)     المجالس المحلية
2)     المؤسسات التعليمية
3)     المنظمات الحقوقية
4)     الاقتصاد المحلي
5)     الفضاء الإعلامي.
ويبدو أن الخطاب العدائي لن يكون قادرًا على وقف هذا المسار؛ فقد أثبت الصوماليون أن العمل والإنجاز أقوى من أي خطاب انتخابي عابر.

اخيراً .
إن استحضار الصوماليين في خطاب ترامب يعكس طبيعة لحظة سياسية مشحونة بالاستقطاب أكثر مما يعكس حقيقة علاقتهم بالمجتمع الأميركي. أما الواقع فيؤكد أن الجالية باتت جزءًا أصيلًا من النسيج الأميركي، تشارك في صنع القرار، وتدافع عن حقوقها ، وتسهم في ازدهار المجتمع. ومع استمرار تطور حضورها، تبدو الجالية الصومالية ماضية نحو مرحلة جديدة يكون فيها تأثيرها أكبر، وصوتها أعلى، ومكانتها أكثر رسوخًا، مهما تغيّرت الخطابات السياسية وتبدلت الحملات الانتخابية.

بقلم: د. عبدالنور حسن رشيد (بشاش)

عبدالنور حسن رشيد (بشاش)
عبدالنور حسن رشيد (بشاش)http://qiraa
داعية إسلامي مقيم في الولايات المتحدة

Share

اقرأ هذا أيضًا