تعتبر هذه الرواية ثاني تجربة لي في قراءة الأدب الإنجليزي ضمن المقررات الجامعية، بعد رواية “قصة مدينتين” (A Tale of Two Cities) التي درستها في الثانوية. ورغم قصر رواية العجوز والبحر، إلا أنها تبتلع القارئ في عمق حكمها وجوّها السوداي كما عهدنا في روايات إرنست همنجواي، وعليها حاز جائرة نوبل للآداب لعام 1954 أي بعد عامين من نشر روايته هذه. م
ن بين تلك الحكم اقتباسٌ يصلح أن يكون شعارا للحياة:
“First you borrow, then you beg.”
(تبدأ بالاستدانة، وتنتهي بالتوسل)
كان هذا ردّ بطل الرواية، الصياد العجوز سانتياغو، الذي مرت عليه 84 يومًا عاصفة دون أن يصطاد سمكة واحدة. حينها اقترح عليه الفتى الشاب —الذي كان يعطف عليه ويعمل معه قبل أن يُصنّف العجوز كـ “منحوس” وينتقل لمركب آخر— أن يستدين بضعة سنتات لشراء طُعم جديد. لكن العجوز نهاه بصرامة عن بدء حياته بالدّيْن؛ لئلا يقضي بقية عمره متوسلًا للآخرين لسدادها.
الكبرياء والإرادة:
لا هزيمة لمن لا يستسلم أما الحكمة الكبرى التي تتوّج أحداث الرواية، فظهرت حين عاد الصياد العجوز بعد اليوم الخامس والثمانين وهو يجرّ هيكل سمكة أبو سيف (Marlin) العملاقة بجانب قاربه المتهالك، بعد أن التهمت القروش لحمها بالكامل:
“A man can be destroyed but not defeated”
(قد يُدمَّر الإنسان، لكنه لا يُهزم)
قد يُحرم المرء من أسباب النجاح الظاهر رغم سعيه، وقد تُكسر عظامه وتتداعى خططه، لكن لا شيء في هذا العالم يستطيع هزيمته من الداخل ما دام متمسكًا بإرادته.
صدى الحكمة في الشعر الصومالي
تذكرني هذه الحكمة الإنسانية بأبيات خالدة للشاعر الصومالي القدير عبد القادر حرسي (يم يم) حين قال:
QARAN JABAY HADDII UU QAB JIRO, WAA LA JARIN LAAYE QABKA JABAY AYAA IIGA DARAN, QARAN-JABKAYGIIYE
(إذا انهارت الدولة وظل الكبرياء والكرامة حيين، فمن الممكن إعادة بنائها.. لكن انكسار الكرامة والهزيمة النفسية أشدّ عليّ إيلامًا من انهيار الوطن نفسه)
ختامًا
الهزيمة الذاتية هي أسوأ أنواع الهزائم. إنها تجعلك تخضع لما كنت تأنف الخضوع له، لمجرد أن صورتك عن نفسك قد تهشمت وقيمتك الذاتية أصبحت صفرًا، فتقبل بما لا ينبغي لك قبوله. حافظ على كرامتك وإرادتك.. فما دمت لم تُهزم من الداخل، فأنت لم تُهزم بعد
الدكتورة سمية عبدالقادر شولي

