بناء مؤسسات تتجاوز الأفراد: إصلاح جديد للخدمة المدنية الصومالية يقوم على الجدارة

المزيد للقراءة

أطلقت الصومال مرحلة جديدة ومهمة من أجندة إصلاح القطاع العام، من خلال التوجه نحو جعل الجدارة والكفاءة والمنافسة المفتوحة أساسًا للتوظيف والترقي الوظيفي في مختلف مؤسسات الخدمة المدنية الاتحادية.

وفي 17 سبتمبر 2026، وجّه رئيس الوزراء حمزة عبدي بري الوزارات والمؤسسات الحكومية الاتحادية إلى تطبيق نظام قائم على الجدارة في التوظيف والتعيين دون تأخير. ومن المقرر أن تبدأ المرحلة الأولى في 20 سبتمبر، وتركز على مديري الإدارات في المؤسسات الحكومية، قبل أن تمتد المرحلة الثانية إلى المديرين العامين.
ولا تكمن أهمية هذا الإعلان في أنه يغيّر فقط طريقة شغل المناصب الإدارية العليا، وإنما في ما يعكسه من توجه بشأن مسار بناء الدولة في الصومال. فالحكومة تسعى إلى نقل الخدمة المدنية نحو نظام يرتبط فيه التقدم المهني، بصورة متزايدة، بالمؤهلات والكفاءة والخبرة والأداء والقدرة القيادية، بدلًا من الوصول إلى المناصب بقرارات تقديرية.
وفي إعلانه، وضع رئيس الوزراء هذه المبادرة ضمن برنامج أوسع من الإصلاحات التي نفذتها حكومته خلال السنوات الأربع الماضية. وأشار إلى مجموعة من القوانين والسياسات واللوائح والأطر المؤسسية المتعلقة بتنظيم عمل الحكومة، وإدارة الأداء المتكاملة، والمنافسة المفتوحة، ومواءمة الرواتب والدرجات الوظيفية، والمعاشات التقاعدية، وإدارة الخدمة المدنية.
ويتمثل الهدف المعلن في بناء خدمة عامة مهنية تقوم على الكفاءة والخبرة والنزاهة والإنصاف والمساءلة.
وكانت الحجة الرئيسية لرئيس الوزراء أن وضع الإطار القانوني لم يعد كافيًا، وأن التحدي التالي يتمثل في الانتقال من وضع القواعد إلى تنفيذها عمليًا.
بناء الأساس المؤسسي أولًا
إن قرار البدء بمديري الإدارات يأتي في سياق مقصود ومدروس. فمديرو الإدارات يمثلون طبقة أساسية في الإدارة الحكومية؛ إذ يقودون فرق العمل، ويديرون وظائف المؤسسات، وينفذون السياسات، ويحوّلون أولويات الوزراء إلى برامج وأنشطة، ويحافظون على استمرارية العمل الحكومي اليومي.
ويصف خطاب رئيس الوزراء هؤلاء بأنهم يمثلون العمود الفقري الإداري للمؤسسات الحكومية، ويؤكد أن إضفاء الطابع المهني على هذا المستوى أولًا من شأنه أن يؤسس قاعدة أكثر قوة يمكن البناء عليها في مراحل الإصلاح اللاحقة.
وبموجب المرحلة الأولى، سيتم شغل مناصب مديري الإدارات من خلال عملية تنافسية داخلية ومفتوحة. وسيحصل موظفو الخدمة المدنية المؤهلون على فرص متساوية للتنافس، على أن يستند الاختيار إلى المعرفة والخبرة والكفاءة والجدارة والمساواة والإنصاف.
كما يُتوقع أن يتم شغل الوظائف الشاغرة في الخدمة المدنية من خلال المنافسة، وفقًا للقوانين واللوائح المعمول بها في البلاد.
وهذا يطرح مبدأً جديدًا ومهمًا أمام موظفي الخدمة المدنية في الصومال: ينبغي أن يصبح التقدم الوظيفي شيئًا يمكن اكتسابه بالاستحقاق.
وينبغي أن يتمكن موظف الخدمة المدنية من تطوير نفسه مهنيًا، وإثبات قدرته وأدائه، والمنافسة بصورة عادلة، والتقدم إلى مواقع القيادة استنادًا إلى الكفاءة والقدرة، وليس بسبب قربه من صناع القرار.
ولهذا المبدأ آثار تتجاوز بكثير الوظائف التي يجري شغلها اليوم. ومع مرور الوقت، يمكن أن يسهم في تغيير الحوافز داخل الخدمة المدنية بأكملها.
المرحلة التالية: القيادة الإدارية العليا
بعد تنفيذ المرحلة الأولى، من المتوقع أن ينتقل الإصلاح إلى المديرين العامين للوزارات والمؤسسات الحكومية.
وعلى هذا المستوى، تعتزم الحكومة تعزيز مبدأ أن تكون القيادة الإدارية العليا قائمة على الكفاءة والمعرفة والخبرة المهنية والقيادة والأداء والجدارة، من خلال إجراءات تتوافق مع الإطار الدستوري والقانوني للصومال.
ويكتسب تسلسل مراحل الإصلاح أهمية خاصة.
فبدلًا من التعامل مع مبدأ الجدارة باعتباره عملية توظيف لمرة واحدة، تحاول الحكومة إدماجه تدريجيًا في الهيكل الإداري، من خلال تعزيز مستوى الإدارة، ووضع إجراءات تنافسية موثوقة، ثم توسيع هذه المبادئ لتشمل القيادة الإدارية العليا.
والنتيجة المستهدفة هي بناء قيادة إدارية مهنية قادرة على تحويل السياسات الحكومية إلى نتائج ملموسة يستطيع المواطنون رؤيتها والاستفادة منها.

بناء مؤسسات تتجاوز الأفراد
هنا يكتسب الإصلاح أهمية أوسع في سياق بناء الدولة.
الحكومات تتغير، والوزراء يتغيرون، والأولويات السياسية تتطور، لكن المؤسسات يجب أن تستمر.
ولذلك، فإن الدولة الفاعلة تحتاج إلى أكثر من قيادة سياسية قادرة؛ فهي تحتاج إلى نظام إداري مهني يحافظ على الذاكرة المؤسسية، ويضمن الاستمرارية، ويوفر الخبرة الفنية، وينقل البرامج الحكومية من دورة سياسية إلى أخرى.
وهذا الأمر مهم بصورة خاصة بالنسبة إلى الصومال.
إن بناء مؤسسات تتجاوز الأفراد يعني تقليل اعتماد أداء الحكومة، بصورة تدريجية، على شخصيات بعينها. ويعني تطوير قواعد ومعايير مهنية وأنظمة وقدرات مؤسسية تستمر في العمل، بغض النظر عمن يشغل منصبًا معينًا.
ويسهم التوظيف القائم على الجدارة في تحقيق هذا الهدف، لأنه يتعامل مع أحد أهم محددات جودة المؤسسات، وهو: من يُمنح مسؤولية القيام بالمهام.

ومن ثم، يطرح الإصلاح سؤالًا بسيطًا، لكنه بالغ الأهمية:
هل ينبغي أن يعتمد التقدم في الحكومة أساسًا على معرفة الشخص بمن يعرف، أم على ما يعرفه، وما حققه، وما هو قادر على إنجازه؟
-إن اتجاه السياسة الجديدة واضح.
-الجدارة كاستثمار في قدرة الدولة
قد يبدو إصلاح الخدمة المدنية أحيانًا أقل وضوحًا من الطرق والمستشفيات والمدارس أو مشاريع البنية التحتية الكبرى. إلا أن فعالية جميع هذه الاستثمارات تعتمد، في نهاية المطاف، على قدرة الحكومة.
فالبنية التحتية تحتاج إلى التخطيط والتعاقد. والمدارس تحتاج إلى الإدارة. والبرامج الصحية تحتاج إلى التنسيق. والاستثمارات تحتاج إلى التنظيم والرقابة. والمالية العامة يجب أن تُدار بكفاءة. والمنصات الرقمية تحتاج إلى جهة مؤسسية تتولى مسؤوليتها. كما يجب تحويل السياسات الوطنية إلى إجراءات تنفيذية.
وخلف كل هذه الوظائف توجد مؤسسات عامة، وخلف هذه المؤسسات يوجد أشخاص.
ومن ثم، فإن التوظيف القائم على الجدارة ليس مجرد إصلاح في مجال التوظيف؛ بل هو استثمار في قدرة الدولة.
ويمكن لخدمة مدنية أكثر كفاءة أن تعزز قدرة الحكومة على وضع السياسات، وإدارة الموارد، وتنفيذ المشاريع، وتنظيم الأسواق، والتفاوض دوليًا، وتقديم الخدمات.
كما أنها توفر مسارًا مهنيًا أكثر وضوحًا أمام جيل جديد من المهنيين الصوماليين.
وينبغي أن يتمكن الموظف المدني الشاب الذي يدخل الحكومة من النظر إلى مستقبله المهني بثقة، وأن يؤمن بأن التطور المهني والنزاهة والأداء يمكن أن تقوده إلى تحمل مسؤوليات أكبر.
وهذه التوقعات بحد ذاتها تمثل أصلًا مؤسسيًا، لأنها تخلق حوافز للتعلم والأداء والاستمرار في الخدمة العامة.

إصلاح مصمم للمستقبل
لذلك، فإن أهمية إعلان 17 سبتمبر لن تتحدد من خلال جولة توظيف واحدة.
فالتحول المؤسسي يحتاج إلى وقت.القواعد تصبح إجراءات، والإجراءات تصبح ممارسات روتينية، والممارسات الروتينية ترسّخ التوقعات. وعندما يتم تطبيق هذه التوقعات باستمرار، فإنها تتحول في نهاية المطاف إلى ثقافة مؤسسية.
ويتمثل الطموح على المدى الطويل في بناء خدمة مدنية صومالية تصبح فيها الكفاءة مصدرًا للفرص، والأداء وسيلة للتقدم، والقيادة مرتبطة بالمساءلة، وتصبح المؤسسات أقوى من الأفراد الذين يتولون قيادتها بصورة مؤقتة.
وهذا أيضًا هو السبب الذي يجعل البدء بمديري الإدارات مهمًا. فالحكومة تبدأ من المستوى الإداري المسؤول عن تحويل السياسات إلى تنفيذ، قبل الانتقال إلى المديرين العامين والتعمق في هيكل القيادة الإدارية العليا.
وقد لخّص رئيس الوزراء الصومالي فلسفة الإصلاح في ختام إعلانه قائلًا:
««الحكومة القوية تبدأ بمؤسسات قوية؛ والمؤسسات القوية تبدأ بموظفين يتم اختيارهم على أساس المعرفة والكفاءة والجدارة».»

بقلم: عبد الرزاق إبراهيم
نائب السكرتير الدائم، مكتب رئيس الوزراء

المصدرwww.somalistream.com

o/

Share

اقرأ هذا أيضًا