منذ عودته لمنصب محافظ إقليم بنادر وعمدة العاصمة مقديشو في 28 مايو 2025، قاد الدكتور حسن محمد حسين “مونغاب” حملة إعادة إعمار حضرية غير مسبوقة ركزت على ثلاثة محاور أساسية تمس حياة المواطن اليومية: نظافة المدينة، شبكة الصرف الصحي، وإعادة تأهيل الطرق الرئيسية والفرعية. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الإدارة الحالية ربطت بشكل صريح بين تحصيل الضرائب المحلية وتقديم خدمات ملموسة، في محاولة لبناء ثقة جديدة بين الدولة والمجتمع بعد سنوات من ضعف الخدمات
أولاً: النظافة وإدارة النفايات — من الوعود إلى اللوائح الملزمة
في خطوة تعكس تحولاً من الحملات الموسمية إلى العمل المؤسسي، ترأس المحافظ مونغاب في الخامس من يوليو 2026 اجتماعاً موسعاً لرؤساء مديريات العاصمة، خُصص لبحث خطة العمل الخاصة بالأشهر الستة التالية. وركز الاجتماع بشكل صريح على تسريع وتيرة جهود النظافة في العاصمة، إلى جانب تطوير خدمات الصرف الصحي وتعزيز التعاون المجتمعي .
وشدد المحافظ خلال الاجتماعات على “ضرورة الالتزام الكامل باللوائح البيئية والمتابعة المستمرة لتنفيذ خطط التنمية”، بما يضمن الحفاظ على المظهر الجمالي للمدينة . وتُعد هذه التوجيهات مؤشراً على أن الإدارة تتعامل مع ملف النظافة كمسألة قانونية وتنظيمية وليست مجرد حملات ظرفية، وهو ما ينسجم مع الخطاب العام للمحافظ الذي أكد مراراً أن عائدات الضرائب يجب أن تظهر للعيان عبر “شوارع أنظف وأحياء أفضل تنظيماً” .
ثانياً: الصرف الصحي ومعالجة مناطق الفيضانات
على الرغم من أن مشاريع الصرف الصحي لا تحظى عادةً بالاهتمام الإعلامي الذي تحظى به الطرق الجديدة، إلا أن التقرير الصادر عن منصة “كاسيمادا” أشار إلى أن إدارة مونغاب وجهت اهتماماً واضحاً لمناطق تصريف المياه والمناطق المعرضة للفيضانات، باعتبارها قضية تؤثر مباشرة على السكان خلال مواسم الأمطار .
وأوضح التقرير أن “العمل على الصرف الصحي نادراً ما يجذب نفس القدر من الاهتمام الذي تحظى به الطرق الجديدة، لكنه يُظهر إدارة حضرية جادة”، مضيفاً أن العاصمة لا يمكن أن تعمل إذا كانت الأمطار تشل الشوارع وتلحق الضرر بالمنازل وتقطع الاتصال بين الأحياء . كما لفت المصدر ذاته إلى أن الإدارة أرسلت مقاولين لإعادة إصلاح مناطق شهدت شكاوى سكنية من أعمال سابقة، في إشارة إلى مبدأ “الأشغال العامة يجب أن تخدم الجمهور” ورفض المشاريع المؤقتة المصممة للإعلام فقط.
وعلى الصعيد التنفيذي، خصص اجتماع المحافظ مع رؤساء المديريات حيزاً لـ”تطوير خدمات الصرف الصحي” كأحد المحاور الثلاثة الرئيسية للخطة النصف سنوية، إلى جانب النظافة والتعاون المجتمعي .
ثالثاً: الطرق — افتتاحات متتالية تعيد الحياة للعاصمة
شكل قطاع الطرق الواجهة الأكثر وضوحاً لإنجازات الإدارة. ففي الثاني من أبريل 2026، افتتح المحافظ مونغاب طريق “الشيخ علي صوفي” الاستراتيجي بعد استكمال أعمال إعادة تأهيله وتطويره بشكل شامل. ويُعد هذا الطريق محوراً حيوياً يربط عدداً من التقاطعات الرئيسية في مقديشو، ومن المتوقع أن يسهم في تخفيف الازدحام المروري وتقليل الضغط على الطرق البديلة، فضلاً عن تنشيط الحركة التجارية للمحال والأسواق الواقعة على امتداده .
وقبل ذلك، وفي سبتمبر 2025، افتتح المحافظ شارع موسكو (VIA Moscow) الذي يربط جسري مديرية حمرججب ومديرية وابري. وكشف المحافظ في تلك المناسبة عن أن عملية إعادة بناء الطريق توقفت لمدة ستة أشهر بسبب نقص التمويل، قبل أن تقوم حكومة المدينة بتمويل المشروع بالكامل، في سابقة تُظهر قدرة الإدارة على تجاوز العقبات المالية المحلية .
وأشار تقرير “كاسيمادا” إلى أن إعادة بناء الطرق أصبحت “أوضح علامة” على نهج الإدارة الجديد، حيث وسعت بلدية بنادر الطرق المرصوفة بالإنترلوك، وأصلحت مسارات متضررة، وحسّنت شوارع كانت لسنوات تعيق الحركة وتضعف التجارة المحلية . ولم يقتصر الأثر على الإسفلت فحسب، بل امتد إلى إضاءة الشوارع بالطاقة الشمسية، مما غيّر الإحساس بالأمان بعد الغروب وسمح للمحلات التجارية بالبقاء مفتوحة لساعات أطول .
وتأتي هذه الإنجازات في إطار رؤية أعلن عنها المحافظ منذ توليه منصبه في مايو 2025، تقوم على مبدأ “الشفافية في استخدام الأموال العامة” وربط الضرائب بالخدمات. وكان مونغاب قد صرح في أغسطس 2025 قائلاً: “المهم هو أن يرى الجمهور عائداً على ضرائبه، والتي ستُستخدم لتحسين الخدمات الصحية والطرق والصرف الصحي والأمن” .
ومن الإنصاف الإشارة إلى أن التغطية الإعلامية المستقلة لهذه الإنجازات لا تزال محدودة، وأن جزءاً كبيراً من المعلومات المتاحة مصدره بيانات رسمية أو تقارير إخبارية غير منشورة.
أخيرا
وفي المحصلة، يمكن القول إن فترة الدكتور حسن محمد حسين “مونغاب” على رأس بلدية بنادر تمثل نموذجاً عملياً على أن الإدارة الحضرية الفعّالة ممكنة حتى في أصعب الظروف، حين تُقرن الإرادة السياسية بآلية تمويل محلية شفافة وبرؤية خدمية واضحة. فافتتاح الطرق الرئيسية مثل “الشيخ علي صوفي” وشارع موسكو، وإضاءة الشوارع بالطاقة الشمسية، وإدخال لوائح بيئية ملزمة للنظافة، والالتفات أخيراً إلى مناطق تصريف المياه والفيضانات — كلها خطوات تتراكم لتُعيد للمواطن في مقديشو إحساسه بأن المدينة تتحرك إلى الأمام، لا أن تدور في مكانها.
إن الأثر الأعمق لهذه الإنجازات لا يقاس بالأمتار المرصوفة أو أطنان النفايات المرفوعة فحسب، بل باستعادة الثقة بين الدولة والمواطن؛ فحين يرى السكان أن ضرائبهم تعود إليهم شوارعَ نظيفة وطرقاً سالكة وإنارةً في الليل، فإنهم يتحولون من متلقّين سلبيين إلى شركاء فاعلين في بناء مدينتهم. وهذا التحول في العلاقة هو، في تقدير كثير من المراقبين، الإنجاز الأكبر والأصعب.
ومع الإقرار بأن الطريق لا يزال طويلاً، وأن تحديات التمويل والاستدامة وموسمية الأمطار ستظل تختبر هذه الإدارة، فإن ما تحقق حتى الآن يبعث على تفاؤل مشروع: مقديشو التي كانت تُوصف بأنها مدينة تنهكها الأزمات، بدأت اليوم تُقدّم نفسها عبر شوارعها المضاءة وأحيائها المنظّمة ومقاوليها الخاضعين للمساءلة،كعاصمة تستحق سكانها، وقصة نجاح حضرية تستحق أن تُروى وتُبنى عليها.

