أنا لا أنتمي إلى هذا المكان، حتي عروقي تحس بذالك، يبدو وكأن هذا المكان يرفضه قلبي عقلي وكياني، قد تنعتني بالسفاهة والهلوسة لكني أشعر بذالك وإحساسي الشعوري لا يكذب بثلاث حالات: الأول عند التحدي، وعند الترقب، والأخير هو حين أكون وسط الغربة بعيدا عن صومعتي! .. هل بتروا أذنيك أم أُصبت بالصمِّ، أم تراكَ تستخف بكلامي لما لا تجيب؟! بالله عليكِ كفى ترهيبا، الآن أصمتي ودعيني أركز في عملي، نحن في وسط المدينة حيث الشرطة والأمن والسلام، لسنا في غابة الوحوش، ولا في أدغال الزنوج كي تبدئي بهذيانك اللذيذ!.. أخرجتك من ذاك الجحر المخيف وانتشلتكِ من براثن الوَحدة والوحشة القاتلة التي كانت تحيط بك! أفبدلا من أن تشكريني تبدئين بمخاوفكِ الواهمة؟.
كان هذا خالد يرد على أخته الراهبة(كما يسمّيها) متأففا من جبنها ومخاوفها التي لا تنتهي، يحاول دائما أن يفهم لغزا واحدا من ألغازها، يكره إنعزالها عن العالم بتلك الطريقة التي تشعره بأنها من القدماء الذين عاشو في غابر الأزمان!.. غريبة الأطوار والأحوال، طول النهار مشغولة بالأعمال المنزلية، فتارة يلمحها في المطبخ أمام النار تطهو، وبجانبها الماعون والأوعية تنظفها، وهي تدندن بلحن عذب؛ إحدى ألحانها الغريبة مثلها! كانت محترفة بالأعمال المنزلية كالطهي والغسيل والتنظيف، كأنثى صومالية أجادت ترويض المنزل منذ نعومة أظافرها، لكن ما يميِّزها أنها كانت لا تتأفف من الأشغال، ولا تشكو من التعب رغم أن أخواتها الأخريات كنّ كسولات، كثيرات التذمر والتأفف، لكنها تبدو مستمتعة وهي تؤدي عملها بحب وحنان! تفتح شهيتك وأنت غير راغب بالأكل، وتُضحكك وأنت في قمة ضيقك غصبا عنك! وفي الليل لا ترى لها أثرا، وكأنّ الأرض انشقت وابتلعتها، وبعد بحث طويل تجدها في غرفتها المنعزلة تصلّى تارة، ومرة تلمحها بين رفوف الكتب، وكأنّها أصبحت من صفحات الكتاب، أو ذابت مع الحبر لا تلاحظ وجودك وإن كنت تنقل جدران الغرفة إلى مكان بعيد!.
كان الكلُ يرى أنّها متخلفة ولا تعرف قيمة الحياة ولا متعتها، وإلّا كيف لأنثى بهذا العصر والعمر أن تنشغل عن التسوق وجذب الرجال والنميمة ! وألّا يكون لها صديقات! مجنونة أو بها نقص في عقلها! هكذا كانو يتحدثون في خارج عالمها، لكنّها لم تلق لهم بالا… كان خالد يحبها كثيرا، فقد كانت ملاكه رغم أنها أكبر منه، كان يحب حكاياتها العذبة والتي كانت دائما تكسوها غمامة حزن مبهمة، كان خالد معجبا بخيالها الخصب، ويتسائل من أين لها هذا الكم الهائل من المعلومات؟ وكيف تستطيع حَبْكَ كل هذه الأحداث بتلك الدقة والاحترافية.
كانت غرفة أخته تثير بنفسه تساؤلات كثيرة، فقد كانت غرفة أشبه بالحضن، دافئة ومليئة برفوف من الكتب والدفاتر، وهناك كمية كبيرة من الأقلام ، الشيء الوحيد الذي كان يُشعره بالكآبة هو إنطوائية أخته، وقلة كلامها مع الآخرين فهي تتصرف وكأنها كائن فضائي جاء من كوكب آخر، رغم كونها جامعيّة ومثقّفة إلا أنه كان يشعر أحيانا بأنها لا تفقه شيئا مما حولها. وذات مرة سألها ماذا تعرفين عن العصر الذي نعيشه، والسياسة وآخر الموضات والماركات؟.
نظرت إليه وكأنها لم تفهم حرفا مما قال، ثمّ قالت وهي تطيل بصرها إلى الفضاء بصوتها الرقيق الدافئ: قد يظن الإنسان بمختلف الأزمان والعصور أنه علم شيئا من المعرفة، أو فكَّ لغزا من ألغاز الكون، لكنه ليس إلَّا كمسافر في صحراء لا ماء فيها ولا نبت، إنقطعت عنه المؤونة في وسطها، وهدَّه الظمأ فوجد قطرة ماء ما زادته إلاّ ظمأ ولهفة لجرعة ماء أخرى!## ما أعرفه يا صغيري عن هذا العصر الذي نعيشه، أنّه عصر الخمول والإتكالية، عصر خواء الروح، عصر أصبح فيه الإنسان شجرا عاقرا، قيَّدت الأرواح وضاعت المفاتيح في وحل الأوهام!.
أما السياسة كلما انحرفت عن مجرى نهرها الصحيح ماتزال عقيمة كما هي لم يتغير مصيرها منذ الخليقة الأولى! أمّا الموضات والماركات يا عزيزي فما هي إلا أسماء سواع وود حرّفت!.
كان خالد ليلتها حائرا أمام جواب أخته الذي ما زادها بنظره إلَّا غرابة. كان يتيه وسط فلسفتها التي تجعلك سفينة فقدت ربانها وسط الأمواج العاتية.
كان يطلب منها أن ترافقه لنزهاته في البحر، أو لحضور الأحداث الإجتماعية المعقودة في الجامعات أو النوادي العلمية، لكن كل محاولاته كانت تبوء بالفشل إذ تلك الراهبة يحرم عليها مغادرة صومعتها تلك!.
في أحد الأيام النادرة، رآها عند عتبة الباب وهي تتجهز للخروج فقال لها: أرى أنَّ القدِّيسة شرَّفت المدينة بالخروج إليها، إلى أين مولاتي؟ ضحكت من طريقته المسرحية للسؤال فأجابت بالطريقة ذاتها، وهي تمسك بذراعه الأيمن: ربما تنهل من براكتها اذا رَافَقْتَها يا بني، هيا بنا.. كان أول يوم رءاها تشارك نقاشا وتُدير حوارا. ذهبا إلى الجامعة حيث كان هناك حدث ثقافي تعقده الجامعة مع المثقفين والطلاب المتخرجين.. كانوا يتناقشون حول الشباب والسياسة !.
كانت هي جالسة هناك بهيبتها وتتحدث بصوتها الرخيم، خيّم الصمت المكان حين بدأت بإدلاء رأيها، وكان منبهرا بطريقة بيانها لمفهوم الساسية الصحيحة! كانت تتحدث عن سياسة أخرى غير التي كان يعرفها الجميع، تتحدث عن سياسة لا مكر فيها، ولا ثعلبا يحتال، إنما سياسةً نبعها القلب والرحمة وموئلها السماء.. وكأن غمامة ضبابية انقشعت عن المكان حين أنهت كلامها … الكل صامت، لا كلام! تدمرت الأوهام، وبان دور الشباب، عليهم إحلال تلك السياسة على الكون بعيدا عن الأقنعة، ومعسول الكلام المنمّق!.
السياسة ليست لعبة الإناث، ولا مجال لهن فيها، فمن سمح لكِ بالعبث بها هكذا! ثمّ يبدو أنك ملتزمة، أفلستِ ناقصة العقل! وقد منعك الإسلام أن تتدخلي شؤون الحكم والسياسة؟ تربية الأطفال وغسل الأطباق هذه مهمتكِ، وهناك بين الجدران الأربع مكانك لا بين الرجال ؟! .. كان هذا الصوت بصواريخه المدوية من بدد الصمت، كان لأحد الجالسين الذين يتقنون جعل الدين نقابا على أفكارهم السقيمة! .. أشفق خالد على أخته يومها، فهو يعلم أنها خجولة وقد يكسرها هذا الإحتجاج، لكنّها إبتسمت إحدى إبتساماتها الغامضة تلك التي يظن بأنّها سحر يمدها بالقوة، وشرعت تقول بهدوء وكأنها تهدهد طفلا للنوم.
أولا: السياسة ليست لعبة.. ونعم إن مهمة الإناث تربية الرجال، وصنع الساسة، وتخريج القادة، والجبابرة، الأنثى هي من تحدد أين مكان هذا الرجل، العرش أم النعش! ونعم إنّ عقلها ناقص وذاك قول لم يقله فيلسوف ولا دجال من أهوائه، لكنه قول القائد العظيم، نور الله الذي سطع ومعه السياسة الصحيحة ومسارها المستقيم، وذاك النقص لم ينقص من مهمة الأنثى لأنها تسود بقلبها لا بعقلها، ورغم ذلك إذا تمعنت وتدبرت وتتبعت الحديث، ستجد أن ذاك النقص لا يعني سوى أن الأنثى قد تفوتها صلوات وعبادات، وهنا النقص لا يتحدث عن تدبير دنيوي.. تبدوا مثقفا وعارفا بشأن السيدات اللاتي سدن بحكمة وبعدل وقوة.. وأيضا اللاتي بمشورتهن كان يعمل بها القائد العظيم وبمشورتهن نُفذت أحكام وخطط.. وأيضا اللاتي بعقلهن وعلمهنَّ قدن البشرية نحو العلم والضياء… ولا أظن أن عليَّ أن أحدثك عن ماذا تستطيع الأنثى إذا نوت الدمار… أنا ملتزمة، وليس الإلتزام بالدين الخوف والخجل من الحق، إنما أن أكون ملتزمة يعني أن أن أصفع كل ظالم بالحق، وأوقظ كل غافل بنداء، وأن أميز الحق من الباطل مستمدة القوة من إلتزامي وضياء إيماني .. وأخيرا الدين ليس لعبة بين يدي الرجال بل هي دين الله ورسالته إلى خلقه جميعا، فاستيقظ من وهم التكبر والترفع الجاهلي، فالأنثى هي من تستمد منها القوة لتثبت أنك رجل!.
وفي الطريق إلى البيت كان خالد يتأبط ذراع أخته فخورا مزهوا بها.
وها هي اليوم في مكتبه حيث يعمل بعد أن أقسم عليها أن ترافقه اليوم إلى هناك؛ لأنه أراد أن يخرجها من عزلتها التي أصبح لا يطيقها، جاءت معه وهي تردد يا لك من عنيد أيها الطفل!.
لستُ طفلا يا قدِّيسة، إنما أنا اليوم أخوكِ الأكبر، وعليك أن تطيعيني وتذهبي معي حيث أشاء بلا فلسفة! ألا تحققين لي هذه الأمنية مولاتي؟!.
حسنا حسنا بلا مسرحية هيا بنا إلى عالمك المزيف إذًا، لنرى ما لديكم هناك سوى الزيف والخزعبلات!.
وهكذا جاءا إلى المكتب، وانهمك هو بعمله، وتركها ترسو بسفينتها القرائية حول شطآن الخيال.
لكن ها هي بدأت بالكهنوت بأن المكان ليس لها!.
أنا لم أكن في وَحدة، ولا أشعر بها إلا حين أبتعد عن هناك حيث تستأنس روحي بالنقاء، بعيدا عن أجواء الضياع والفراغ هذه!.
وتلك الأدغال والغابات أرحم منها! وأيضا الشرطة لا ترى ولا تقبض إلّا ما أُريد لها، ولا تحرص إلّا على حياة اللصوص والقتلة! والأمن هنا ليس سوى كومة رماد نحتت كقصور للرفاهية، وما إن تأتي الرياح حتى يكون في عداد العدم! وكم يستولي العدم عليكم أسفي عليكم وعلى سلامكم!.
سترى صدق كلامي هذا يوما ما، ولكن يومها لن يكون بإمكانك أن تسرع إليَّ مرددا بأنّي كنت على حق، وأن الرياح كشفت عن الصحراء التي كنتم منبطحين فوقها عراةً! فقط الموتى هم من يستطيعون أن يأتوني بصحة إعتقادي ووحده القبر من سيواسيك لتلحق بقدّيستك ! وجاء الليلُ يشارك حيرة خالد أمام نبوءات أخته المخيفة.
عليه أن يعيدها إلى صومعتها إذا أراد أن تعود لها السكينة!.
وفي طريق العودة انهمر المطر، ومع نسيم المطر – الذي يشبه ابتسامة أخته الغامضة – كان الفراق! خالد إذا مررت بالصدفة أمام غرفتي أو صومعتي كما تحب أن تسمّيها أنتَ قد تجد هناك جوابا فابحث عن الموتِ هناك وسله نهياتك او نهياية عالمكم!! ستجد معه الجواب..
كان هذا آخر ما قالته قدّيسة خالد وهي تسلّم روحها إلي الرب تحت المطر!.
الموت أليس حقيقة العالم وجواب الحيرة!.

