المزيد للقراءة

حين يغيب الفهم وتحضر الشهرة: خطورة الحديث فيما لا نفهم!!

من أخطر الظواهر التي انتشرت في عصر وسائل التواصل الاجتماعي أن أصبح كثير من الناس يتصدرون للحديث في مجالات لا يملكون أدواتها، فيتحدثون في الدين، واللغة، والتاريخ، والأدب، وكأن مجرد القدرة على الإلقاء أو امتلاك منصة إعلامية تمنح الإنسان حق التعليم والتوجيه.

لقد أصبحنا نعيش زمنًا قد يسبق فيه الانتشارُ العلمَ، وقد تسبق فيه الشهرةُ المعرفةَ، حتى أصبح بعض الناس يقيسون قيمة الكلام بعدد المشاهدات والإعجابات، لا بمدى صحته وعمقه وفهم صاحبه له.

إن المشكلة ليست في أن يخطئ الإنسان؛ فالخطأ طبيعة بشرية، وإنما المشكلة في أن يتحدث بثقة في أمر لم يفهمه، ثم ينقله للناس على أنه حقيقة، فيصبح الخطأ فكرة، والفكرة ثقافة، والثقافة سلوكًا عند أجيال كاملة.

فكم من مقطع قصير، لا يتجاوز دقائق معدودة، حمل معلومات غير دقيقة، أو أفكارًا مبتورة، أو أحكامًا سطحية، فقط لأن صاحبه لم يدرك أن الكلمة مسؤولية، وأن التأثير على الناس يحتاج إلى علم وأمانة، لا إلى حُسن العرض فقط.

ومن المؤلم أن ترى من يخاطب جمهورًا مسلمًا في موضوع ديني أو أدبي، ثم يقدم كلامًا لا يعرف خلفيته ولا سياقه، وربما يصفه بأنه من “أجمل ما قيل”، فقط لأنه أعجبه الأسلوب أو جمال الألفاظ.

فاللغة ليست مجرد أصوات جميلة، والأدب ليس مجرد عبارات مؤثرة، بل وراء كل نص تاريخ وسياق ومقاصد ومعانٍ تحتاج إلى فهم.

ومن الأمثلة التي تكشف أهمية الفهم قبل النقل، التعامل مع شعر أبي نواس. فقد ترى من يقتبس بعض أبياته ويقول: “من أجمل أبيات أبي نواس”، دون أن يوضح حقيقة النص أو الظروف التي قيل فيها أو المعنى الذي يحمله.

فأبو نواس لم يكن مجرد شاعر يصف الخمر، بل عُرف في مرحلة من حياته بشعر المجون والخمر، ووصل في بعض شعره إلى استخدام أساليب تحمل السخرية من المعاني الدينية، ومن ذلك قوله:

● دعِ المساجدَ للعبادِ تسكنُها
وقفْ بنا حولَ خمارٍ ليسقينا

ثم قال:

● ما قال ربُّك ويلٌ للأولى سكروا
وإنما قال: ويلٌ للمصلينا

وهنا يظهر الفرق بين من يقرأ النص لفهمه، ومن ينقله لمجرد الإعجاب به. فقد استحضر أبو نواس قوله تعالى:

﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ۝ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾

واستخدمها في سياق السخرية والتلاعب بالمعنى، متجاهلًا أن الآية نفسها بيّنت المقصود، وأن الوعيد ليس لكل مصلٍّ، وإنما لمن يتصفون بالغفلة والرياء وترك حقوق الناس.

وهذا المثال يوضح أن التعامل مع النصوص يحتاج إلى علم وفهم، وليس مجرد نقل بيت شعري أو عبارة رنانة. فليس كل ما كان بليغًا يُمدح، وليس كل ما كان جميل الأسلوب يكون صحيح المعنى أو مناسبًا للنشر.

ولو أراد أحد أن يتحدث عن أبي نواس حديثًا منصفًا، فعليه أن يذكر جوانب حياته كاملة، لا أن يقتطع مرحلة واحدة منها. فقد ذكرت بعض المصادر أنه ندم في آخر حياته، وتُنسب إليه أبيات مشهورة في التوبة، منها:

● إلهي إن عظمت ذنوبي كثرةً
فلقد علمت بأن عفوك أعظمُ

وهذه الأبيات اشتهرت بين الناس، مع أن أهل التحقيق اختلفوا في صحة نسبتها إليه، ولذلك فالأمانة العلمية تقتضي أن يقال: “تُنسب إليه”، لا أن يُجزم بذلك دون دليل.

وهنا تظهر أهمية المنهج؛ فليس المطلوب أن نهاجم الأشخاص أو نلغي التراث، وإنما المطلوب أن نفهم قبل أن ننقل، وأن نزن قبل أن نعجب، وأن نعرف الفرق بين دراسة النص وبين الترويج لما يحمله من أفكار.

إن بعض صناع المحتوى اليوم يتعاملون مع التراث وكأنه مجموعة من الاقتباسات الجميلة التي تصلح للمشاركة، متناسين أن وراء كل نص مسؤولية، وأن المتلقي قد لا يملك القدرة على التمييز بين العرض والتحليل، وبين الإعجاب والنقد.

فليس كل من يتحدث بالفصحى عالمًا، وليس كل من يملك أسلوبًا جذابًا صاحب معرفة، وليس كل من جمع المتابعين أصبح مؤهلًا للحديث في كل شيء.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
(الإسراء: 36)

فالأمانة العلمية ليست أمرًا ثانويًا، بل هي من الأخلاق التي تحفظ العلم وتحفظ عقول الناس.

إن مسؤولية من يتحدث أمام الجمهور اليوم عظيمة؛ لأن كلمته قد تصل إلى آلاف أو ملايين الأشخاص، وقد تبقى محفوظة ومتداولة لسنوات. لذلك يجب أن يسأل الإنسان نفسه قبل أن ينشر:

هل أفهم ما أقول؟
هل أعرف سياقه؟
هل أقدمه كما هو أم أقتطع منه ما يخدم إعجابي؟

فالمشكلة ليست في قلة الكلام، وإنما في كثرة الكلام بلا علم.

إن الأمة لا تحتاج إلى مزيد من الأصوات التي تبحث عن الشهرة، بل تحتاج إلى أصوات تعرف قيمة الكلمة، وتحترم عقل المتلقي، وتدرك أن العلم ليس مظهرًا، وأن الثقافة ليست مجموعة اقتباسات، وأن أجمل ما يمكن أن يتحلى به الإنسان هو أن يعرف حدود معرفته.

فمن تحدث فيما يعلم، أفاد.
ومن تحدث فيما لا يعلم، أضلّ وهو يظن أنه ينفع.

والكلمة أمانة، ومن حمل أمانة التأثير في الناس فعليه أن يحمل معها أمانة الفهم قبل أمانة النشر.

الدكتورة انسية صلاد

Share

اقرأ هذا أيضًا