يصادف اليوم، 2 أغسطس/آب 2026، الذكرى الرابعة لتشكيل حكومة “دانقرن” برئاسة رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، في محطة فارقة في مسيرة الدولة الصومالية الفيدرالية.
وفي مثل هذا اليوم من عام 2022، وبعد سلسلة موسعة من المشاورات التي أجراها رئيس الوزراء الصومالي السيد/ حمزة عبدي بري مع العلماء والمثقفين وشيوخ المجتمع والنساء والشباب ومختلف مكونات الشعب الصومالي، أُعلن عن تشكيل حكومة ضمت 75 مسؤولاً، بينهم نائب رئيس الوزراء والوزراء ووزراء الدولة ونواب الوزراء. وقد حملت الحكومة اسم “دانقرن” – أي “المصلحة الوطنية” – في إشارة واضحة إلى التزامها بوضع السيادة الوطنية والأمن والتنمية المستدامة في صدارة أولوياتها.
وجاء تشكيل الحكومة في لحظة عصيبة كانت البلاد تواجه فيها تحديات وجودية متراكمة: تداعيات جفاف قاسٍ ضرب السكان والماشية، وانقسامات سياسية حادة وانعدام ثقة بين مؤسسات الدولة، وتنامي تهديد حركة الشباب وسيطرتها على مناطق واسعة، إضافة إلى تعثر برنامج إعفاء الديون وتراجع جاهزية القوات المسلحة.
وانطلقت حكومة “دانقرن” من ستة محاور رئيسية، تحت شعار: “صومال متصالح مع نفسه، ومتوافق مع العالم” ، شملت الأمن، والاقتصاد، والخدمات الاجتماعية، والعدالة، والمصالحة الوطنية، والسياسة الخارجية.
أبرز الإنجازات خلال أربعة أعوام
أولاً: الأمن ومكافحة الإرهاب
اتخذت الحكومة استراتيجية متعددة المسارات في مواجهة حركة الشباب، جمعت بين العمليات العسكرية، وتفكيك الشبكات المالية، والحرب الفكرية. وقد شملت المواجهة الفكرية مشاركة العلماء والمثقفين في توعية المجتمع وتأكيد مشروعية الدفاع عن الدين والوطن، بينما أوقفت الحكومة عمليات الجباية التي كانت الحركة تفرضها على رجال الأعمال تحت مسمى “الزكاة”، وأغلقت أكثر من 250 حساباً مالياً كانت تُستخدم في جمع تلك الأموال. كما كثفت الحكومة الحملات الإعلامية لمواجهة الفكر المتطرف.
وتشير المعطيات إلى تحسن ملموس في الأوضاع الأمنية داخل العاصمة مقديشو واستعادة السيطرة على عدد كبير من المدن والبلدات التي كانت خاضعة لسيطرة الحركة، مع عودة مؤسسات الدولة والخدمات الحكومية إليها. ويُعتبر تشكيل قوات “داناب” الخاصة المدربة أميركياً أحد أبرز ثمار الشراكة الأمنية، حيث تواصل هذه القوات تحقيق نجاحات ميدانية، كان آخرها تصفية 16 عنصراً من الحركة بينهم قائدان ميدانيان في عملية جنوبي البلاد.
ثانياً: الاقتصاد وإعفاء الديون
يُعد استكمال برنامج إعفاء الديون الخارجية أحد أبرز إنجازات الحكومة، حيث وافق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في ديسمبر/كانون الأول 2023 على إعفاء الصومال من ديون بقيمة 4.5 مليار دولار. ومن المتوقع أن ينخفض الدين الخارجي من 5.2 مليار دولار إلى نحو 550 مليون دولار عند اكتمال العملية.
وفي خطوة تعكس تعافي الثقة الدولية، استأنف البنك الدولي علاقاته مع الصومال، وقدم البنك الأفريقي للتنمية إعفاءً كاملاً من الديون بقيمة 17.68 مليون دولار. كما شهدت المؤسسات المالية الحكومية نقلة نوعية، حيث وضع رئيس الوزراء حجر الأساس لمبنى جديد لوزارة المالية يضمّ جميع كوادر الوزارة، بتمويل من البنك الأفريقي للتنمية. وفي يوليو/تموز 2026، وضع حجر الأساس لإعادة بناء مبنى وزارة التجارة والصناعة، في إطار سياسة تطوير البنية التحتية الاقتصادية وتحديث مؤسسات الدولة.
ثالثاً: التعليم – نقلة نوعية غير مسبوقة
شهد قطاع التعليم تحولاً جذرياً خلال أربعة أعوام، حيث نجحت الحكومة في توظيف ونشر 10 آلاف معلم في مختلف أنحاء البلاد، من المدن الكبرى إلى المجتمعات النائية. ويُعد هذا الرقم قفزة هائلة مقارنة بنحو 900 معلم فقط كانوا على كشوف الرواتب الفيدرالية عند تسلم الحكومة مهامها. وتستهدف الحكومة توسيع هذا العدد ليصل إلى 12 ألف معلم بحلول نهاية عام 2026.
وفي إنجاز تاريخي، أصبحت رواتب المعلمين تموَّل بالكامل من الإيرادات المحلية لأول مرة في تاريخ الصومال. كما ارتفع عدد المرشحين للامتحانات الوطنية للصف الثاني عشر من 7 آلاف إلى 39 ألف طالب، وشارك طلاب في لاسعانود في الامتحانات الوطنية لأول مرة منذ ثلاثة عقود. ويُسجل النظام التعليمي العالي حالياً نحو 250 ألف خريج و200 ألف طالب مسجل.
وعلى صعيد السياسات، أقرت الحكومة قوانين التعليم، والسياسة الوطنية للتعليم، واستراتيجية تطوير القطاع، ووحّدت المناهج الدراسية من المرحلة الابتدائية إلى التعليم العالي وفق معايير دولية.
رابعاً: الطاقة والخدمات
نفذت وزارة الطاقة والمياه مشاريع لتوسيع استخدام الطاقة الشمسية في المدارس والمراكز الصحية في مختلف أنحاء البلاد، ولا سيما في المجتمعات الأقل حصولاً على الخدمات. كما أطلقت الحكومة في يونيو/حزيران 2026 فرقة عمل وطنية للتحصين واستئصال شلل الأطفال ومنتدى بقاء الطفل، في خطوة نوعية لتعزيز التغطية الصحية.
خامساً: الدفاع – رفع الحظر بعد ثلاثة عقود
في ديسمبر/كانون الأول 2023، رفع مجلس الأمن الدولي بالإجماع الحظر الكامل على توريد الأسلحة إلى الحكومة الصومالية، الذي كان مفروضاً منذ عام 1992. وجاء القرار بموجب القرار 2714 (2023)، ليمثل نقطة تحول في قدرات القوات المسلحة الوطنية لمواجهة التهديدات الأمنية، وفي مقدمتها حركة الشباب. وقد ظل هذا الحظر طيلة 31 عاماً يشلّ قدرة الصومال على تأمين الأسلحة والذخائر اللازمة للدفاع عن الوطن.
سادساً: الدبلوماسية – العودة إلى المحافل الدولية
حققت الصومال خلال أربعة أعوام مكاسب دبلوماسية غير مسبوقة، كان أبرزها:
الفوز بعضوية مجلس الأمن الدولي كعضو غير دائم للفترة 2025-2026، وهو المقعد الأول منذ أكثر من خمسة عقود. وتولت الصومال رئاسة المجلس في يناير/كانون الثاني 2026.
الحصول على عضوية مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي للفترة 2026-2028، بعد انتخابها في فبراير/شباط 2026، وهي المرة الأولى التي تنضم فيها الصومال إلى هذا المجلس.
الانضمام إلى جماعة شرق أفريقيا (EAC) في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، لتصبح العضو الثامن في التكتل، وقد حصلت على الموافقة الرسمية لاعتماد جواز السفر الإلكتروني الموحد للتكتل، ومن المقرر أن تستضيف مقديشو مؤتمر التكتل الثالث في سبتمبر/أيلول 2026.
توسيع النظام الفيدرالي من خلال استكمال إنشاء والاعتراف بالإدارة الإقليمية الجديدة في شمال شرق الصومال، التي أصبحت الولاية الفيدرالية السادسة. وقد زار رئيس الوزراء لاسعانود في 2 أغسطس/آب 2026 للمشاركة في إحياء الذكرى السنوية الأولى لتأسيس الإدارة.
انضمام الصومال إلى 15 معاهدة بحرية دولية، في خطوة تهدف إلى تنظيم النقل البحري، وتعزيز قدرات البحث والإنقاذ، ومكافحة الجريمة البحرية، وجذب الاستثمارات.
خلاصة
وفي الذكرى الرابعة لتشكيل حكومة “دانقرن”، تؤكد الحكومة أنها نجحت في ترجمة رؤيتها إلى إنجازات ملموسة على الأرض، من تحرير مناطق واسعة وتعزيز الأمن، إلى إنجاز إعفاء الديون وتوظيف آلاف المعلمين، وصولاً إلى استعادة المكانة الدولية للصومال في أهم المحافل العالمية.
ويبقى الطريق طويلاً، كما أقرّ رئيس الوزراء نفسه، إذ لا تزال هناك عقبات كبيرة في مجالات الأمن والاقتصاد والخدمات الاجتماعية، إلا أن ما تحقق خلال أربعة أعوام يؤكد أن الإرادة السياسية والرؤية الوطنية قادرتان على إعادة بناء الدولة واستعادة الثقة. وكما جاء في رؤية الحكومة منذ البداية، فإن “صومالاً متصالحاً مع نفسه ومتوافقاً مع العالم” لم يعد مجرد شعار، بل أصبح واقعاً تُبنى معالمه يوماً بعد يوم.
الكاتب: عبد الرحمن مصطفى محمد
مساعد رئيس الوزراء الصومالي