درع الدولة.. بين أمن النظام ورفاهية المواطنين.. عبدالرشيد موسى يكتب عن مقومات بقاء الدولة الصومالية

المزيد للقراءة

ليست قوة الدولة بما تمتلكه من مؤسسات وأجهزة أمنية فحسب، ولا يقاس بقاؤها بقدرتها على حماية النظام الحاكم وحده، بل بمدى قدرتها على حماية مواطنيها، وصون حقوقهم، وتوفير مقومات الحياة الكريمة لهم. فالدولة التي تطلب من شعبها الدفاع عنها، دون أن تضمن له العدالة والأمن والازدهار، تضعف أسس شرعيتها وتعرّض تماسكها ومستقبلها للخطر. ومن هذه الزاوية، يطرح الكاتب عبدالرشيد موسى في مقاله «درع الدولة» تساؤلات جوهرية حول مفهوم الأمن القومي، والعلاقة بين أمن النظام وبقاء الدولة، مستعرضاً مقومات الاستقرار، والتحديات التي تواجه التجربة الصومالية، وأهمية الوحدة الوطنية والقوة الاقتصادية في ضمان مستقبل البلاد.

ويرى الكاتب الصومالي عبدالرشيد موسى أن بناء الدولة لا يقتصر على تأسيس مؤسساتها وإقامة هياكلها الإدارية والسياسية، بل يتطلب توافر مقومات تضمن استمرارها وقدرتها على الصمود أمام التحديات الداخلية والخارجية. ويحدد في هذا السياق ركيزتين أساسيتين لبقاء الدولة: حماية أمنها وضمان استقرارها من جهة، وتحقيق الازدهار وتحسين حياة مواطنيها من جهة أخرى.
ويطرح الكاتب تساؤلاً جوهرياً بشأن الغاية من إنشاء الدولة، وما الذي يجعل المواطنين متمسكين بها ومدافعين عن استمرارها، مؤكداً أن الدولة تحتاج، إلى جانب تأسيسها، إلى مقومات تحمي وجودها وتضمن استدامته.
أمن الدولة وأمن النظام!
ويوضح موسى بأن الأمن يمثل الأولوية الأولى للدولة، شأنها شأن أي كيان يسعى إلى ضمان بقائه واستمراره، لكنه يلفت إلى ضرورة التمييز بين مفهومين كثيراً ما يجري الخلط بينهما، هما الأمن القومي أو أمن الدولة (State Security/National Security)، وأمن النظام الحاكم (Regime Security).
ويشير الكاتب إلى أن أمن الدولة وأمن النظام قد يتداخلان في بعض الظروف، لكنهما يظلان مفهومين مختلفين. فقد يكون استمرار نظام حاكم معين ضرورياً لحماية الأمن الوطني، إذا كان تغييره سيؤدي إلى وصول نظام تابع لقوى خارجية، بما يهدد أمن البلاد واستقرارها ومصالحها الاستراتيجية.
ويستشهد الكاتب بالتجربة الإيرانية، موضحاً بأن بعض الأنظمة قد تجد نفسها مضطرة إلى التركيز على حماية بقائها في مواجهة تهديدات داخلية وخارجية تستهدف مشاريعها الاستراتيجية. ولكنه يحذر في المقابل من استغلال الأنظمة لمفهوم الأمن القومي، وتحويل مصالحها السياسية والاقتصادية إلى مصالح وطنية، مع توظيف الخطاب القومي وتصوير أطراف خارجية باعتبارها أعداء، أو الدخول في صراعات تهدف إلى إطالة عمر النظام، مستشهداً بالتجربة الإريترية.
رفاهية المواطن أساس استقرار الدولة
أما الركيزة الثانية، بحسب الكاتب، فتتمثل في تحقيق الازدهار وتوفير حياة كريمة للمواطنين. فبعد تأمين وجود الدولة وحماية استقرارها، ينبغي أن تتجه جهودها إلى التنمية الاقتصادية والبشرية.
ويؤكد أن شرعية الدولة وقدرتها على حماية أمنها ترتبطان ارتباطاً وثيقاً بمدى خدمتها لمواطنيها، فالمواطن الذي يجد في الدولة حماية لمصالحه وتوفيراً لاحتياجاته يكون أكثر استعداداً للدفاع عنها والحفاظ على استمراريتها.
ويضيف إلى أن الدول لا تنهار بفعل التهديدات الخارجية وحدها، بل قد تتعرض للتفكك نتيجة الأزمات الداخلية وإهمال المواطنين وغياب التماسك الوطني (National Cohesion). فالدولة التي تحصر اهتمامها في المسائل الأمنية، دون الالتفات إلى تحسين مستوى معيشة شعبها، لا تستطيع ضمان بقائها على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، يشير الكاتب إلى مفهوم «الديكتاتوريات الخيّرة» (Benevolent Dictators)، في إشارة إلى أنظمة حكم استبدادية تكرس مواردها لخدمة البلاد والمواطنين، ولا تجعل الفساد وسيلة لإدارة شؤون الدولة.
أزمة مفهوم الدولة في الصومال
وفي تناوله للواقع الصومالي، ينتقد موسى ما يراه انشغالاً لدى بعض المسؤولين بالمصالح الشخصية، والتعامل مع الدولة باعتبارها مكسباً سياسياً أو ملكية خاصة، بدلاً من النظر إليها باعتبارها مؤسسة لخدمة المواطنين وتحقيق مصالحهم.
ويستشهد بتصريحات منسوبة إلى الرئيس الصومالي، مفادها بأن بناء الأبراج لا علاقة له بالمرأة التي تسكن في منزل متواضع، إلى جانب تصريح منسوب إلى أحد الوزراء بأن التعليم والصحة والخدمات العامة ليست من مسؤوليات الدولة.
ويرى الكاتب بأن مثل هذه التصريحات تعكس فهماً قاصراً لوظيفة الدولة وغاياتها، مشدداً على أن الدولة التي لا تضع مصالح مواطنيها ورفاهيتهم في صدارة أولوياتها تفتقر إلى أحد أهم مقومات الاستمرار.
كما يؤكد ضرورة ترسيخ العدالة والمساواة بين المواطنين، وألا تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات لخدمة جماعة سياسية أو عشيرة أو منطقة بعينها. ويطرح تساؤلاً حول مدى إمكانية بناء شعور وطني مشترك في ظل تفاوت معايير التعامل مع المواطنين على أساس الانتماء العشائري أو الخلاف السياسي.
ويضرب مثالاً على ذلك باختلاف تعامل الدولة مع مواطنين من مناطق جوهر ودوسمريب، مقارنة بمواطنين من غاروي وكيسمايو وبيدوا وهرجيسا ومناطق أخرى، متسائلاً عما إذا كان جميع هؤلاء يشعرون بالانتماء المتساوي إلى الدولة نفسها، ويستعدون للدفاع عنها بالقدر ذاته.
ويخلص إلى أن غياب العدالة وتكافؤ الفرص يقوضان التماسك الوطني، ويضعفان قدرة الدولة على تحقيق أمن قومي مستدام.
الوحدة والقوة الاقتصادية ضمانة للمستقبل
وفي معرض حديثه عن الإدارات والكيانات التي تتجه نحو الانفصال، يرى الكاتب أنها تفتقر إلى المقومات الكافية لضمان بقائها واستقلالها على المدى الطويل، سواء من حيث الشرعية الداخلية المستندة إلى المواطنين، أو الإمكانات الاقتصادية، أو القدرة على مواجهة الضغوط الخارجية، فضلاً عن محدودية ما تمتلكه من عمق استراتيجي.
ويشير إلى أن هذه الكيانات لا تمتلك، وفق تقديره، الموارد الاقتصادية والقوة الديموغرافية التي تمكنها من مواجهة التحديات الإقليمية، مستحضراً تجارب دول الخليج الغنية التي واجهت بدورها تحديات أمنية، ومتسائلاً عن قدرة كيانات محدودة الموارد على ضمان أمنها واستمرارها في بيئة إقليمية تتسم بتفاوت كبير في موازين القوة.
ويستعرض الكاتب الفوارق الاقتصادية بين الصومال ودول الجوار، مشيراً إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للصومال يبلغ نحو 12 مليار دولار، مقابل 129 مليار دولار لإثيوبيا ونحو 150 مليار دولار لكينيا. كما يلفت إلى التفاوت السكاني، متوقعاً أن يصل عدد سكان إثيوبيا إلى 150 مليون نسمة بحلول عام 2030، متسائلاً عن مدى قدرة كيانات صغيرة ومتفرقة على مواجهة دول تمتلك مثل هذه الإمكانات البشرية والاقتصادية.
ويؤكد موسى أن الطريق لضمان أمن الدولة الصومالية وحماية مستقبلها يكمن في الوحدة وتجميع القوة والموارد في إطار دولة واحدة، إلى جانب بناء اقتصاد قوي يستند إلى استثمار الثروات البحرية والنفط والغاز والثروة الحيوانية والقطاع الزراعي وغيرها من الموارد الوطنية.
ويختتم الكاتب رؤيته بالتأكيد على أن تجميع الإمكانات الاقتصادية والبشرية، وتحقيق العدالة والمساواة، والاهتمام بتنمية المواطنين، تمثل جميعها شروطاً أساسية لبناء دولة صومالية قادرة على حماية أمنها وضمان بقائها، وصناعة مستقبل أفضل للأجيال الحالية والقادمة.

ملاحظة: التقرير يعبر عن رأي الكاتب فقط

 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Share

اقرأ هذا أيضًا