في بلد أنهكته عقود من الصراع والانقسام، لا تبدو الانتخابات المباشرة مجرد موعد سياسي، بل اختباراً لقدرة الصومال على إعادة بناء دولته واستعادة ثقة مواطنيه. فحين ينتقل المواطن من موقع المتلقي إلى موقع الشريك في اختيار ممثليه، تتغير طبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة، وتُفتح نافذة لتجديد الشرعية وترسيخ التداول السلمي للسلطة.
يقف الصومال عند منعطف سياسي حساس، تتزايد فيه الحاجة إلى تطوير المؤسسات الدستورية، وتوسيع المشاركة الشعبية، وإعادة تنظيم قواعد العمل السياسي. ومن هذا المنطلق، يمثل الانتقال إلى الاقتراع المباشر تحولاً محتملاً في بنية النظام السياسي، لا مجرد تغيير في آلية التصويت.
من الانتخاب غير المباشر إلى المواطنة السياسية
بعد عقود من الصراع والانهيار المؤسسي، اعتمد الصومال آليات انتخابية غير مباشرة لتشكيل مؤسساته السياسية، مستنداً إلى ترتيبات تقاسم السلطة والتمثيل القبلي. وقد ساعدت هذه الآليات في تيسير بعض مراحل الانتقال، لكنها ظلت موضع جدل بسبب محدودية المشاركة الشعبية، وما تثيره من أسئلة حول استقلالية القرار الانتخابي وقدرة المواطنين على اختيار ممثليهم.
وتكتسب الدعوة إلى الاقتراع المباشر زخماً متزايداً مع تطلع المجتمع إلى نظام أكثر تمثيلاً ومساءلة، ومؤسسات تستمد شرعيتها من أصوات المواطنين لا من التفاهمات السياسية المغلقة وحدها. ومن أبرز مكاسب هذا التحول أنه قد يعيد توجيه الحياة السياسية نحو المواطنة والتنافس بين البرامج، بدلاً من الاعتماد الواسع على المحاصصة القبلية.
فعندما يختار المواطن ممثليه، يصبح قادراً على تقييمهم وفق مواقفهم من قضايا الأمن والتنمية والتعليم والصحة ومكافحة الفساد وفرص العمل. كما تجد الأحزاب والقوى السياسية نفسها أمام حافز لبناء قواعد شعبية على أساس البرامج والسياسات العامة، لا على التحالفات التقليدية وحدها.
غير أن هذا التحول لا يتحقق بمجرد تغيير ورقة الاقتراع أو طريقة احتساب الأصوات. فهو يحتاج إلى مؤسسات حزبية وطنية، وتكافؤ في الفرص، وحماية لحقوق المكونات الاجتماعية، وثقافة سياسية تجعل المواطنة أساساً للمشاركة، مع احترام الخصوصية الاجتماعية والتاريخية للمجتمع الصومالي.
الشرعية الدستورية ووحدة الدولة
تمتد أهمية الانتخابات المباشرة إلى ما هو أبعد من اختيار المسؤولين، إذ يمكن أن تعزز شرعية المؤسسات الدستورية وتربطها بصورة أوضح بالناخبين. فالبرلمان المنتخب مباشرة يمتلك تفويضاً شعبياً واضحاً، كما تتيح الانتخابات الرئاسية للمواطنين المشاركة في تحديد القيادة السياسية وفقاً للدستور والقانون.
وقد يؤدي هذا التفويض إلى تعزيز المساءلة، ودفع المسؤولين إلى الاستجابة لأولويات المجتمع، ومنح المواطنين وسيلة سلمية لتجديد السلطة أو تغييرها عبر صناديق الاقتراع. لكن الشرعية الانتخابية لا تنفصل عن الشرعية الدستورية؛ فتنظيم الانتخابات وحده لا يضمن الاستقرار ما لم تُحترم القواعد القانونية، وتُصن حقوق المعارضة، وتتمتع الهيئات المشرفة على التصويت وإعلان النتائج بالاستقلالية والنزاهة.
وتزداد أهمية هذه الضمانات في ظل التحديات التي تواجه الدولة الفيدرالية، ولا سيما الخلافات بين الحكومة المركزية والولايات الأعضاء حول الصلاحيات الدستورية، وآليات الانتخابات، وتوزيع المسؤوليات. لذلك، ينبغي أن يستند الانتقال إلى الاقتراع المباشر إلى تفاهم وطني يحدد بوضوح طبيعة العلاقة بين المركز والولايات، ويضمن مشاركة جميع الأطراف في العملية السياسية.
فالمضي في ترتيبات انتخابية مثيرة للخلاف من دون معالجة الاعتراضات الجوهرية قد يعمق الانقسامات ويضعف الثقة بين المؤسسات. أما الحوار والتوافق فليسَا بديلاً عن الانتخابات، بل شرطاً لتهيئة بيئة تجعل نتائجها قابلة للقبول والتنفيذ. والوحدة الوطنية لا تُبنى بتوحيد الإجراءات فحسب، وإنما بإرساء قواعد مشتركة تحظى بقبول سياسي واجتماعي، وتحصر التنافس على السلطة داخل المؤسسات الدستورية.
الأمن والتنمية: أساس الشرعية المستدامة
لا يمكن فصل الإصلاح السياسي عن الواقع المعيشي للصوماليين. فالبلاد تواجه تحديات أمنية واقتصادية متشابكة، من بينها استمرار تهديد حركة الشباب، وضعف الخدمات العامة في بعض المناطق، والبطالة والفقر، وتداعيات الأزمات المناخية.
وقد تعزز الانتخابات المباشرة فرص المساءلة وتمنح الناخبين وسيلة للتأثير في السياسات العامة، لكنها لا تمثل حلاً تلقائياً لهذه المشكلات. فالأثر الحقيقي للانتخابات يتوقف على قدرة المؤسسات المنتخبة على تحويل التفويض الشعبي إلى برامج قابلة للتنفيذ، وتحسين الخدمات، وتطوير الإدارة العامة، وتوسيع فرص العمل.
ومن هنا تبرز قاعدة أساسية في بناء الدولة الصومالية: الأمن والتنمية متلازمان، والشرعية السياسية المستدامة تحتاج إلى مؤسسات قادرة على حماية المواطنين والاستجابة لاحتياجاتهم.
المخاطر وشروط النجاح
رغم ما توفره الانتخابات المباشرة من فرص لتوسيع المشاركة وتجديد الشرعية وتعزيز المساءلة، فإنها قد تتحول إلى مصدر للتوتر إذا أُجريت في ظل انقسامات أمنية وقبلية ومؤسسية عميقة. فقد تستغل الجماعات المسلحة هشاشة البيئة الانتخابية لتهديد الناخبين أو تعطيل الاقتراع، وقد تعيد المنافسات القبلية إنتاج الاستقطاب في صورة انتخابية. كما يمكن للخلافات بين المؤسسات الفيدرالية والولايات أن تطعن في شرعية النتائج وتعرقل تنفيذها.
ولتحويل الانتخابات إلى أداة لبناء الثقة، لا بد من إدارة متدرجة وحذرة لهذه المخاطر، تبدأ بتوافق سياسي وقانوني واضح، وتستند إلى ضمانات أمنية متوازنة، وهيئات انتخابية مستقلة، وآليات فعالة للطعن وتسوية النزاعات. كما يتطلب الأمر استعداداً مؤسسياً يشمل إعداد سجل موثوق للناخبين، وتحديد الدوائر الانتخابية، وضمان حرية الحملات، وتكافؤ الفرص بين المرشحين، ووضع قواعد واضحة لإعلان النتائج ومراجعتها.
وتكتسب التوعية المدنية أهمية خاصة، ولا سيما بين الشباب الذين يمثلون شريحة واسعة من المجتمع الصومالي، حتى تقوم مشاركتهم على فهم الحقوق والواجبات والبرامج الانتخابية، لا على الولاءات الضيقة وحدها. وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا يتحول تنظيم الانتخابات إلى سباق بين المؤسسات لإثبات أحقية طرف بالسلطة؛ فالمعيار الحقيقي هو التزام الجميع بالدستور، واحترام التعددية، وقبول المنافسة السلمية، والاحتكام إلى المؤسسات.
خاتمة
تمثل الانتخابات المباشرة فرصة تاريخية أمام الصومال لتوسيع المشاركة الشعبية، وتجديد الشرعية، وتعزيز المساءلة، وترسيخ مبدأ المواطنة. لكنها ليست عصاً سحرية، بل أداة ضمن مسار أوسع لبناء الدولة وإصلاح مؤسساتها.
ويتوقف نجاح هذا المسار على توافق وطني حقيقي، وإدارة انتخابية مستقلة، وضمانات دستورية واضحة، ومشاركة سياسية شاملة، إلى جانب مؤسسات أمنية وإدارية قادرة على توفير البيئة اللازمة للعملية الانتخابية. وفي نهاية المطاف، لا تكمن القيمة التاريخية للانتخابات المباشرة في الانتقال من نظام انتخابي إلى آخر فحسب، بل في بناء علاقة جديدة بين المواطن والدولة، قوامها الاختيار والمساءلة وتداول السلطة سلمياً.
وحين يصبح صوت المواطن أساساً للتفويض السياسي، وتصبح المؤسسات مسؤولة أمام المجتمع، يمكن للانتخابات أن تتحول من استحقاق إجرائي إلى نقطة انطلاق لاستعادة الثقة، وترسيخ الاستقرار، وبناء دولة صومالية أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحاضر وصناعة مستقبلها.

